في مديح الراعي

ماجد ع. محمد | سورية

مجلة الكاتب اليساري :: ماجد ع. محمد
"أنا حارس قطيع، القطيع أفكاري وأفكاري هي كل أحاسيسي"
                                     فرناندو بيسوا

لا نتطرق في هذه المادة إلى مسار حياة ذلك الراعي الذي يرعى شؤون شركة منتجة أو مؤسسة دينية (أبرشية) أو ما شابه ذلك، إنما أعني الراعي الذي يقود قطيعاً من المواشي بحرفية عالية، وحيال الأمر فيبدو لي أن من بين أبهى المقارنات هي تلك القائمة بين النظرية والتطبيق، بين ما نعاينه أو نلمسه واقعياً وبين ما نسمع به أو نقرأ عنه نظرياً؛ وصحيح أن راعي قريتنا كثيراً ما قُبض عليه متلبساً بإنشاد الأغاني الملحمية في أعالي الروابي المغطاة بالأحراش، تلك التراجيديات التي تقوي صلة المرء بالواقع والحقيقة، ولا يقوى على غنائها في الهواء الطلق وبدون مرافقة أية آلة موسيقية إلا من كان لديه شيء من القوة الشاعرية، إلا أن أي حديث أو موضوع عن راعي قريتنا أو الرعيان بوجه عام سرعان ما تقفز إلى سطح الذاكرة قصة الراعي الأمي الذي صار شاعر الحقيقة لدى الأديب الكوري "كو أون" والذي تم ذكره في ديوانه (ألف حياة وحياة) المسماة حلم الشاعر فيقول: "كان هناك راع قد وصل إلى قمة الجبل مع قطيع أغنامه، وحين نظر إلى العالم من علٍ، غلبهُ سلطانُ النّوم، وجاءته في الحلم تسع حوريات، فاستيقظ وإذا به في الواقع وحوله الحوريات التسعة، وفي صوتٍ رائق كما كان صوت حجرٍ كريمٍ يرن في الهواء الشفيف، قالت إحداهن: منذ الآن ستكون شاعراً، شاعر يغني الحقيقة للعالم، حينئذٍ بدأ الراعي الأمي الذي كان يجهل معنى القصيدة حياته كشاعر"*.
advertis with us
وتمثيلاً للحقيقة المعاشة في التكلم عن الراعي، حياة الراعي، سرديات الراعي، يبقى راعي قريتنا أفضل مثال على الأقل بالنسبة لي للاستشهاد به، حيث كان المرحوم "عزيز عشبرك" أحد أبهى الأمثلة المشار إليها في جميع القرى المحيطة بقريتنا، ولن نسرد ههنا قفشات وهزليات الرجل بكون أن الجانب الفكاهاتي كان جانباً بارزاً في صيرورة حياته، إنما سنكتفي بالحديث عن امتهانه لحرفة الرعي وكأنه خريج إحدى الجامعات المعنية بصحة ورفاهية المواشي، ولأنه كان راعياً فكان به هوس الحديث عن عوالم المواشي أينما حل به المقام، فإن أتى بمثال أتى على ذكر قصة كانت بطلتها معزاة أو نعجة أو جدي، إلا أن أهم ما كان يعني القرية ويعنينا في الرجل هو إخلاصه لمهنته، وقيامه بواجب الرعي على أكمل وجه وبمهارة فائقة، فقريتنا لمن لا يعرف تضاريسها هي قرية جبلية قاسية على كل من ينظر إليها عن بعد أو يزورها عن قرب، إلا أن أبناءها تعودوا عليها، فهي واقعة على منحدرٍ يحيطها سلسلة جبال ووديان، والمراعي فيها قليلة بحكم كثرة أشجار الزيتون فيها، وثانياً بسسبب وجود أحراشٍ من شجر السرو في المساحات الحراجية القريبة منها، والأراضي المشاعة قليلة جداً من بين المساحات القابلة للرعي، ومع قلة الرعي، وصعوبة التضاريس، ووجود مخابئ للذئاب خلف هضاب القرية في عمق الأحراش، كان على الراعي "عزيز" أن يؤمن الغذاء اليومي لقطيع القرية، ولكن بحيث لا يدخل قطيعة إلى حقول الزيتون، إنما يمر من تخومها مرور الكرام، بحيث لا تطال أعناق المواشي أشجار الزيتون، ولا يسمح لقطيعه بأن يعبث بالمزروعات في مساكب البيوت في قلب القرية، ولكن بشرط أن لا يعود بالقطيع إلاّ وهو مكتفٍ مما تلقفه من الأعشاب المتوفرة في تخوم الحقول وحوافِ الوديان وبعض المساحات الخالية من أشجار السرو في الغابات، كما أن عليه بنفس الوقت أن لا يسمح للذئاب بأن يقتطفوا رؤوس واحدة من مواشيه، كما كان عليه أن يغدو شبه بيطري يجيد تسهيل عملية الولادة لدى إناث القطيع حين الوضع، وبلمسةٍ على بطن النعجة أو المعزاة كان يعرف إن كانت الأنثى حاملة بمولود واحد أم بتوأم، راعٍ يعي أعراض الأسقام الحيوانية فينقذ المصابة بأي عارض مرضي عند الضرورة، وعندما يعجز عن إيجاد الدواء في الفلوات إما يعمل جاهداً لإعادتها إلى القرية أو يبادر بذبحها قبل أن تصبح النعجة أو المعزاة فطيسة فلا يُستفاد من لحمها آنذاك عند النفوق، علماً أن عدد رؤوس مواشي القرية عادة ما كان يزيد عن مئة رأس، ولكن وللشهادة فعزيز كان جديراً بأن يُسمى راعياً أي من أهل الرعاية وليس من الرعاع بمعناها السلبي، والمواشي كما أهل القرية كانوا بحاجة إليه راضين عنه، بسبب فهمه لمهنته على أكمل وجه، وقدرته على قيادة القطيع في المناطق الخطرة والمشهورة بالانزلاقات والذئاب بأقل الخسائر الممكنة.

عموماً حتى وإن هاجمت الذئاب على غفلة من الراعي معشر النعاج والمعيز، ودفعت الهجمة المباغتة قبطان القطيع للتقهقر والنزوح إلى مكانٍ ما، إلا أن راعي القطعان الحيوانية سرعان ما يعود إلى موقع القيادة بعد فراره المؤقت من ميدان الرعي عقب مداهمة الذئاب، ومن المؤكد بأن وعي الراعي قد يسمح له بتجاوز حالة الهلع والفوضى التي أحدثها المهاجمون والعودة الى موقعه من جديد، ولكن هل ثمة من هو قادرٌ على إقناع القطيع بالعودة السريعة بعد نفوق الذئاب واستتباب الأمن وإحلال السلام في المراعي؟ فهذا ما لم يتم بحثه مع الراعي يوماً، ولا أُجري الاختبار على معشر البهائم في القرية.

ولأن الكثير ممن يعملون في حقل السياسة في بلدي يدّعون تمثيل الرعية هم في الأصل غير قادرين على تأمين الغذاء اليومي لبعض لأطفالها، ولا هم قادرون على تأمين الحماية الحقيقية لها عند تعرضها للهجوم من قبل بشرٍ آخرين؛ ولأن الراعي الذي أشرت إليه كان في مجال عمله أمهر من الكثير الكثير من رعيان الاختصاصات الأخرى في البلد، لذا لم أقدر حتى هذه اللحظة أن أكتب ولو عدة أسطر عن قائد سياسي ما من عموم أبناء البلد، إلا اني وبلا ندمٍ كتبتُ بعد وفاة راعي المعيز والأغنام في 25 شباط 2014، هذه المدونة:
"عزيزٌ مات
لأن رسول الردى أخطأ كما العادة طريقهُ
ومدَّ بكامل الرُّعب مَخالبهُ
على عُنق من تندلق
منذُ الفجرِ
مِن بين تلويحات أصابعهِ
ترانيم الحياة
عزيزٌ مات
ولم يخطر على بال الرسول البغيضِ
أن باعتقاله السافرِ
وتغييبه الأبدي للعزيز
ستتيتمُ من بعده مئات العنزات.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*ألف حياة وحياة/ كو أون/ ترجمة تشوي جين يونج/ المركز القومي للترجمة/ الطبعة الاولى 2008.