المقال



حمّل النسخة الورقية


الآخر والوقت المهدور

 

 

صحيحٌ أن الهدر في بلدنا قبل بدء الحراك الجماهيري في 2011 ومن ثم تحوُّل ميادينه إلى ساحة حرب محلية واقليمية ودولية، كان قد تجاوز موضوع هدر الطاقات وهدر الأفكار وهدر هواجس الإبداع وهدر الكفاءة وهدر الخبرات، بل وفي الكثير من الأحيان وصل إلى مستوى ضياع عمر الإنسان برمته، أو هدر دمه، إلاّ أن ذلك النوع من الهدر كان مفروضاً على المواطن من الأعلى، سواء مِن قِبل مؤسسات الدولة أو من خلال الانصياع للمناخ السياسي العام، أو من خلال المحيط الاجتماعي الكبير، إلاّ أننا ههنا سنركز على الهدر الزمني الذي يتسبب به مَن كانوا في محيطنا الاجتماعي الضيق، معارفنا، جيراننا، وما كان بمقدورنا تجنبه إن أحسنّا إدارة الأمور وتنظيم علاقاتنا الاجتماعية مع الآخر القريب منا؛ إذ غير الوقت الذي يهدره الإنسان في حياته اليومية عبر الإفراط في التنزه والرحلات والتسوق اليومي، وعدا عن قتل الزمن بدون رحمة في الألعاب الواقعية أو الإلكترونية، أو في ملاحقة النزوات الشخصية وإدمانها، وغير قضاء الوقت المستمر ولساعاتٍ طوال في متابعة وسائل التواصل الاجتماعي، ثمة نماذج بشرية نواجهها في حياتنا الاجتماعية أو العملية وهي مهلكة لزمن الإنسان بلا رحمة، وذلك سواءً أكانت تلك الشخصيات مقيمة في العلالي، أم قاطنة في عرزالٍ متواضع بالقرب منا، وحيث أن تلك النماذج لا تعطي زمن الغير أو ظرفه أدنى أهمية، هذا بالإضافة إلى أن هناك بعض من لا يفترض بالمرء الدخول معهم في أيِّ جدالٍ أو نقاش، باعتباره هدرٌ للجهد، وقتلٌ للوقتِ، وجالبٌ لروائح الخصام، وربما في حضور تلك الشخصيات من المستحسن تذكر جملة آرثر شوبنهاور: "من بين كل مئة شخص يوجد بالكاد شخص واحد يستحق أن نُجادله، أما بالنسبة للآخرين، فلنتركهم يقولون ما يريدون لأن من حق الناس أن يهذوا" ومن تلك النماذج على سبيل الذكر وليس الحصر:
(1)
الناطق باسم السلطة
وحيث أن الوقت في حضرته مهدور للأبد
سواء أكانت السلطة سياسية أم عسكرية أم اقتصادية أم دينية
باعتبار أن أيّ رجحانٍ لكفة الحوار لصالحك
سرعان ما سيُلمح بقدرته على استخدام صولجان السلطة الممنوحة له ضدك.
(2)
الملتحف بشماخ الأيديولوجيا
وحيث أنه يظل جاهزاً لإطلاق صواريخه المهيأة في كل ساعةٍ نحوك
وليس لديه أي استعداد لأن يتلقف أي شيٍ مما تبوح به، مما تصرفه لأجله، مما تجلبه من أقاصي العالم أو من أعماق ذاكرتك لإيضاح وجهة نظرك أو بغرض تقريب الفكرة إليه، وذلك بما أن فضيلة الإصغاء لم تمر بدياره، فيما الإندلاق كيفما اتفق جزءٌ من صيرورته.
(3)
المتكبر الذي يعتصم برأيه ليس لصواب موقفه
إنما بكون الإقرار بأنه كان على خطأ بمثابة الكارثة بالنسبة له
لذا يُفضل تحاشي الجدال مع هكذ نماذج بشرية
إنقاذاً للموقف من نشوء التوتر أو حدوث اِشتباكٍ محتمل.
(4)
الذي يكن لك الحقد والكراهية
فأي مبادرةٍ منك قد يجعل من مساماتها لعنة أو صاعقة
لأن الذي أمامك غير قادر على رؤية المحاسن في مرابعك
كما أن البغض الدفين يحثه لاشعورياً على المعارضة مهما كانت ححجك حاسمة
بل قوة الحجة لديك مبرر جوهري لاختلاق أسافين الاختلاف.
(5)
المستهزئ بالناس من باب التعالي
لا ينبغي الدخول معه في أيّ حديثٍ قبل صدمته
فالردعُ بالرغم من أنه من أسوأ المقدمات في الجدال
إلاّ أنه يعمل بقوة على تخليص الأجواء من روائح السخرية
وبالتالي إما أن يغيّر المتهكم طريقته في البوحِ
أو تدفعه الفجاءة للإنسحاب الكلي من ميدان الحوار.
(6)
في الشرق الأوسط أي حديثٍ عن الفلاح المحتمل في خاتمة الحياة، مع كل ضامنٍ للخلاص بناءً على اعتقاد النفر بأنهُ وقومه من المنتقين والمصطفين من قِبل الإله، هو خسارة للوقت والجهد؛ بما أن ذلك الضامن مهما فعل أو ارتكب فهو في النهاية من الفائزين حسب تصوره، كما أن الظفر بالنسبة له خارج نطاق البحث والجدال، طالما أن الرابح يتكئ على قناعة راسخة قائمة على أن الإله سيرحم المتدينين من أصحاب الديانات السماوية الثلاث من بين جموع بني البشر، مهما كان تاريخهم حافلاً بالخراب والدماء.
(7)
والحال نفسه مع المتعصب لرأيه وتصوراته المتكلسة:
فمن غير المجدي إقناع الملتف بأسمال التطرف بوجهة نظرك
لئلا يجرفك إصرارك الدائم على المحاولة
مع تشبثه الأبدي إلى مضمار مَقته
لئن وقتئذٍ بدلاً من كسبه إلى جانبك عبر الحوار
تكون قد أضفت شخصاً آخر إلى قائمة أعدائك.

وبما أن التفريط في الوقت هو مثل التفريط في البوح والكلمات، لذا قريباً مما نشير إليه، ونتخوّف منه، ونحرص على تجنبه، نود تذكير القارئ بما جاء قبل الميلاد على لسان الفيلسوف الصيني كونفوشيوس: "في عدم تعليمك لشخص ناضج تفريط فيه، وفي تعليمك لشخص غير ناضج تفريط بالكلمات" وحيث أن كونفوشيوس يشير صراحةً إلى هدر الوقت والطاقة مع مَن لم يبلغ مرحلة النضوج، وكأن المرء يُهرق وقته مجاناً عندما يضع علمه وخبرته وزمنه بين أيدي أناسٍ لا يعرفون قيمة وأهمية ما يقال ويقدم لهم من قِبل الآخرين.

في الأخير فبما أن بعضنا خجول نوعاً ما، وليس بمقدوره ردع مهدري الوقت أو التعامل بفجاجة مع ذلك النمط من الناس، وبما صاحب السطور لا يجيد استعمال آليات الصّدِ، لذا فمراراً ما خطرت على بالي الطريقة التي كان يتعامل بها الشاعر اليوناني كافافيس مع مهدري الوقت من الضيوف والزوار في زمنه، وحيث كان الشاعر الراحل حسب النقاد وكتاب سيرته يكتفي بإنارة شمعة واحدة له في حياته اليومية بما أنه كان يحب الضوء الخافت، ولكن إذا جاءه زائرما فاحتفاءً بالضيف كان يُشعل شمعة أخرى له، ولكنه ساعة بدء التململ من الضيف والنفور من دوام الجلوس معه، كان يطفئ الشمعة الثانية، وهي إشارة إلى أنه لم يعد يرحب بمكوث الضيف وبقائه في حضرته؛ على كل حال مع أنه من الممكن الاستعانة بفلسفة تعامل الشاعر مع اللامرحب به في سورية، بسبب حرمان الكثير من مواطني البلد من نعمة التيار الكهربائي، إلاّ أنه من شبه المحال محاكاة تجربة الشاعر في زمن الإنارة الدائمة في المغتربات.