حتى ذاتك
لست حرا في نقدها


ماجد ع. محمد
سورية


 

 

رغم أهمية ما أشار إليه ديفيد فيسكوت، في كتابه فجر طاقتك الكامنة بالأوقات الصعبة، في قوله: "إن الاعتراف بالمشكلات هو أوّل خطوة لحلها، وبأنك لا تستطيع أن تحل مشكلة لا تواجهها، وأنك لن تستطيع أن تصلح نفسك إذا لم تظهر الجزء الناقص فيك" إلاَّ أن ذلك الإقرار ليس بالأمر اليسير في المجتمعات التي تكون فيها ذات الفرد متداخلة مع ذوات الآخرين من أبناء المجتمع، لذا فحتى لو أراد أحدهم أن يعترف بما ارتبكه بحق الغير، أو حين يداهمه الشعور بضرورة الإقرار بالذنوب التي اقترفها في يومٍ من الأيام بحق نفسه أو المحيطين به، وحتى إذا ما أحس بأنه في حال عدم اعتذاره عما فعله بأحد الأقارب أو الأباعد فسيبقى يُعاني من الإحساس المتواصل بالذنب، فلن يكون بمقدوره نقد الذات لتصويب الأخطاء وتصحيح مسار المنعرجات، طالما أن ذاته لم تعد ملكه وحده حتى يكون حر التصرف بها أو انتقادها على ما صدر عنها من موبقات.

إذ في المجتمعات الشديدة التداخل، ليس التقريظ وحده يكون محط استقباح لدى المحيطين، إنما حتى النقد الذاتي يكون محط استهجان لدى من يرى بأن توبيخ المرء لنفسه يحمل في جوفه إشارات الطعن وتعرية مقصودة لِمَن كانوا مشتركين معه بنفس المثالب التي يحاول ناقد الذات التبرؤ منها، لأن بعضهم إن لم نقل الكثير منهم يرى في نقد فلانٍ لنفسه فضيحة لهم أجمعين، فالذي ارتقى بوعيه وغدا يُدرك مواضع قصوره والسلبيات التي يتسم بها، وغدت بنظره بعض ممارساته بمثابة نقائص ارتكبها أو ما يزال يرتكبها، وبدأ عندذاك بمراجعة سلوكياته الشخصية وتصدى لها بمبضع المعالجة، علّه يُرضي ضميره في مرحلة إصلاح الذات التي كانت مِن قبلُ متعايشة مع المثالب، إلا أنه ومن عجب العجاب فقد يصطدم بمن لا يقبل ذلك التصرف المحمود منه، ويُعتبر محاكمة الشخص لأناه مجرد فخ للإيقاع بالقريبين منه، وعن هذه النماذج التي نتحدث عنها ثمة قصة غنية بالدلالات، تتناول قسم من حيوات مجموعة من السائقين كانوا يقضون أوقات طويلة خارج منازلهم، حيث تطول فترة غيابهم عن بيوتهم وأُسَرهم، ومن هؤلاء كان واحداً منهم يداهمه بين الحين والآخر شعور التقصير والاجحاف بحق زوجته التي يغيب عنها كل مرة من 10 إلى 15 يوماً، هذا عدا عن الحالات الاستثنائية التي يبقى فيها بعيداً عن عائلته شهراً بأكمله، وبما أنه يعي تقصيره الشخصي، لذا بينه وبين نفسه غدا متوقعاً فعل الخيانة من قبل شريكات الحياة، واحتمالية أن ترتكب بعض النسوة الضعيفات الإرادة والبعيدات عن أزواجهن حماقات جنسية ما في فترة غياب أزواجهن، وبناءً عليه اكتلمت لديه قصة كان قد بناها في خياله فترةً لا بأس بها، ولكنه عندما شرع بسردها على الملأ أمام مجاميع السائقين، قوبلت قصته بالرفض الكامل، بل وغدا موضع تهديدٍ حقيقي من قبل زميلٍ له من سائقي سيارات الشحن، ولكني قبل الانتقال إلى تفاصيل الحكاية ومآلاتها، أود تذكير القارئ باعترافات النائب العراقي مشعان الجبوري الذي أقر يوماً بأن جميع أعضاء مجلس النواب وهو من ضمنهم فاسدون، وكيف قوبل إقراره بفساده وفساد زملائه آنذاك بالرفض من قِبل أقرانه من الطبقة السياسية في البلد.

الحكاية المسرودة وتبعاتها:

جاهر صاحبنا السائق بالذي كان يقض مضجعه، واندلق بما كان يُشغلهُ أمام زملائه قائلاً: في يومٍ من الأيام وحيث كان الوقتُ مائلاً للغروب، شوهِدَ في إحدى البلدات مرور جنازةٍ كبيرة، وما لفت نظرالراصد الذي كان قريباً من موقع الحدث، هو الانتباهُ بأن الجنازة لم يكن يشارك بها أي رجل أو شاب أو حتى كهل! بل كان جميع المشيعين من النساء حصراً، وعندما لاحظ المعاين الذي كان اسمه "علو" ذلك المشهد الغريب، راح يساوره الشك حيال الشخص المشيّع، وطفق يتساءل في سره أتراها كانت سيدة من علية القوم؟ وهل هي مَن طالبت قبل وفاتها بألا يرافقها إلى مثواها الأخيرغير القريبات منها؟ أم أنها أوصّت بألا يشارك أي رجل بجنازتها أوان تشييعها فقط؟ أم أن المرأة لها سر كبير تريد دفنه معها من دون أن يعلم بها مجتمع الرجال؟ أم أنهم منعوا الذكور من مرافقتها لفرط جمالها الأخاذ، لذا اتخذوا ذلك القرار خوفاً عليها من أن تكون مرئية من قبل الرجال الذين سينزلونها إلى القبر ويهلون التراب عليها ؟ أم أن ذلك التصرف كان خشيةً من أن يلمس أو يتحسس طيفها أي بعل أثناء حملها؟ أم أنها بنفسها كانت قد طالبت قبيل المغادرة الأبدية بأن يكون حاملو جسدها من النساء حصراً؟ أم أن هناك شيء ثمين دفن معها لذا طالبوا بعدم مشاركة أي رجل بالتشييع؟ وهكذا داهمت مخيلة "علو" عشرات الوساوس، وكلّما تذكر المشهد راح يطرح الأسئلة على نفسه وهو يفكر بأمر الجنازة الغريبة، ولكي يقطع الشك باليقين قرّر أن يعرف السر الكامن وراء الميت/ة، حيث انتظر إلى حين رحيل المشيعات وخلو المقبرة من الزوار، وفور حلول الظلام حمل "علو" معوله والرفش ليدرك الحقيقة المخبوءة في القبر، إلا أنه بعد أن حفر القبر ووصل إلى الجثة، وكشف عن وجه الميت، فانصدم صدمةً شبيهة باصطدام سائق دراجة هوائية بعربة شحن؛ أحس بداية بفقدان التوازن، ولأن الصدمة كانت عرضية عاد إلى رشده بعد حين، ورأى بأم عينه أن الجثة لرجلٍ وليست لأنثى، ومن أجل معرفة ما إذا كان ثمة شيء مطمور مع الرجل في القبر راح يتحسس كل الأطراف حواليه فلم يجد أي شيء يذكر، ولكي يرى إن كان هناك أي غرض أو رسالة موضوعة تحت رأس الميّت أو تحت جسده، قام بنزع الكفن برمته عن جسده، لكنه لم يرى أيّ شيء غريب سوى قضيبه الذكري المبالغ في طوله، ولأن من عادة الرجال في أغلب قرى المنطقة حمل السكاكين في جيوبهم لقضاء الحاجات في البراري والحقول، فما كان لنازع الكفن إلا أن يُخرج الموس ويقطع غرمول الرجل من قرمه، كما قام في الوقت نفسه باقتطاع قطعة قماشٍ من الكفن، ولف به شيء الرجل ووضعه في جيب الشروال، ومن ثم أعاد لف الجثمان من جديد ورمى التراب عليه ليعود القبر كما كان، وبعد ليلةٍ متعبة قضاها "علو" في الحفر والردم، فإلى جانب الرفش والمعول عاد بشيء الرجل ملفوفاً بالقماش الأبيض وكأنه لقية أثرية يخشى عليها من الكسر! وصلَ البيت وعلامات الدهشة ما تزال مرتسمة على وجهه، حيث بادرته امرأته بالسؤال أين كنت يا علو؟ فسرد لها ما شاهده عصر ذلك اليوم، وكيف أنه رأى جنازة نسائية بدون رجال، ولأنه استغرب من أمر الجنازة الخالية من الذكور انتظر حلول العتمة وفتح القبر، ولكنه بدلاً من شرح كل ظروف عملية الحفر والطم باشر بإخراج قماشة كفن الميّت من جيبه وفردها أمام زوجته، وإذ بغرمول الرجل يتدحرج على الحصيرة كـ: هراوة عناصر قوات حفظ النظام، وعندها صاحت زوجته على الفور ومن دون أن تنتبه لما تقول: يي إنه يشبه قضيب "إيحو"، فهنا تعاظمت شكوك الرجل وتخميناته عن أن حال زوجته قد لا يكون أفضل من أحوال سرب المشيّعات، وأن "إيحيو" الميت لم يكن سوى عشيق زوجته إضافةً إلى كل من كن يُشاركن في تشييعه!!!


إلا أن الأكثر انصداماً بالنسبة لـ:"علو" فلم يكن اكتشاف حقيقة وسر المدفون، ولا كيف عرفت زوجته حجم تلك القطعة المخبوءة من جسد الراحل، ولا غرمول "إيحو" الذي كان أقرب إلى طول عضوِ كرٍ بالغ، إنما في مفاجأة السارد الذي ما كاد أن يضع النقطة في خاتمة القصة التي يرويها، حتى نهض أحد الموجودين من بين سائقي الشاحنات غاضباً، وبلهجةٍ حادة قال لراوي الحكاية: إنك في كل الذي تحكيه لم تقصد بكلامك إلا الحديث عن عرضي وناموسي، وراح يرعد ويزبد مهدداً الرجل بالقتل لإيراده القصة التي ظن السامعُ المستنفر بأنها تخصه وحده من بين جموع الحاضرين، حيث اعتبر السائق الغضبان أن الرواي لم يسرد القصة من أساسها إلاّ لأجل الطعن بشرفه!!.

أترك مداخلة

Message

شكرا لمداخلتك
سوف يتم نشرها أسفل مادة الكاتب