المقال
دأبت الحكومات التونسية المتعاقبة بعد الثورة على المحافظة على المسار
التطبيعي ومد جسور التطبيع مع الكيان الصهيوني .... لا شك في وجود مساعي و ميولات
تطبيعية غير معلنة منذ عقود أي منذ خمسينات القرن الماضي (انظر خطاب بورقيبة في
الأمم المتحدة سنة 1952 حيث طلب الدعم الإسرائيلي لمطلب الإستقلال وكذلك لقاؤه بالك
ايسترمان مدير مكتب لندن آنذاك للمؤتمر اليهودي العالمي بباريس سنة 1954 ولقاؤه سنة
1956 بسفير الكيان الصهيوني ياكوف تسور في باريس... كان كل هذا تحت عنوان الواقعية
والبراغماتية السياسية وكسب ود أمريكا والغرب في "معركة الاستقلال"!... فضلا عن
كونه لا يؤمن بالقومية العربية بقدر إيمانه ب "القومية التونسية" ...) ويليه و
باكثر إصرار، استمر مسار التطبيع "الإقتصادي" خارج البروتوكولات الديبلوماسية مع
نظام بن علي الذي تبلور أكثر فأكثر خلال لقاء وزير الخارجية التونسي حبيب بن يحيى
سنة 1995 بسفير الكيان الصهيوني ايهود باراك قبيل إفتتاح مكتبي "رعاية المصالح" بين
تونس والكيان الصهيوني سنة 1996 حيث شغل وزير الخارجية التونسي المقال مؤخراً، منصب
مدير مكتب العلاقات بتل أبيب... كذلك الإنضمام إلى "الإتحاد من أجل المتوسط" والذي
لا يخفى أنه أحدث خصيصا من أجل التطبيع سعيا وراء الحصول على مرتبة: "الشريك
المتميز" مع الإتحاد الأوروبي...
وتواصل الإرث التطبيعي و بدا اكثر وضوحا وتجليا منذ فترة حكم الترويكا بقيادة حركة
النهضة الاسلاموية بعد الثورة ... حيث أصبحت البلاد مرتعا للمخابرات الأجنبية بما
فيها جهاز الموصاد الذي تمكن من تنفيذ جريمة اغتيال الشهيد الزواري على الاراضي
التونسية فضلا عن إسقاط بند يجرم كافة أشكال التطبيع في الدستور الجديد... حيث
استماتت حركة النهضة الحائزة على غالبية النواب في المجلس التأسيسي للحيلولة دون
إدراج تجريم التطبيع في الدستور وتنكرت قياداتها لأم القضايا العادلة حفاظاً على
السلطة ارضاءا للغرب واللوبي الصهيوني وقطر و تركيا الدولتين الضالعتين في التطبيع
والداعمتين لحركة النهضة أساسا .....
كذلك انتشار عديد المنظمات الصهيو امريكية المشبوهة ... الزيارات التي قام بها بعض
رموز اللوبي الصهيوني مثل رئيس "فريدوم هاوس" وجون ماكين ونوح فيلدمان...
وتفيد إحصائيات منظمة التجارة العالمية أن الصادرات سنة 2017 بين تونس والكيان
الصهيوني قدرت ب 5.5 مليون دولار... وها هي تتوج الآن بتسمية روني الطرابلسي وزيرا
للسياحة وهو العضو الناشط في LDJ رابطة الدفاع عن اليهود في فرنسا والمالك لوكالة
اسفار دولية والذي يروج أنه أمن رحلات بعض المغنين التونسيين إلى مدينة "إيلات"
المحتلة فترة حكم بن علي ...
وبالتأكيد سيسمح له منصبه الجديد بالتوسع في مجال التطبيع وربط الجسور مع الكيان
الصهيوني الذي لا يخفي دفاعه عنه وعن جرائمه بحق الشعب الفلسطيني... إضافة إلى بعث
فرع في تونس مؤخرا لمنظمة LICRA (الرابطة العالمية ضد العنصرية ومقاومة السامية)
المتصهينة الاهداف و المنطلقات والتي عهد تسييرها والإشراف عليها لأستاذ التاريخ
وعميد كلية الآداب السابق والذي لا يخفى دفاعه منذ سنوات عما كان يطلق عليه ب "
التطبيع العلمي" منذ كان أستاذا في الكلية خاصة بعد زيارته للكيان الصهيوني مع ثلة
من زملاءه فترة حكم بن علي... من رواد "التطبيع العلمي والثقافي" والتنسيق مع "اكادميين"
صهاينة خاصة في مادة التاريخ الذين لم يتورعوا في تبرير و تبييض جرائم التقتيل
والتهجير بحق ابناء الشعب الفلسطيني...
كان هؤلاء و أمثالهم من رواد التطبيع، يبررون ما يسمى ب "التطبيع الثقافي" بشعارات
من قبيل التسامح والانفتاح وكرسي حوار الحضارات والإذعان لأمر الواقع... وغيرها من
خزعبلات وإدعاءات التطبيع المخزية والسخيفة والتي لا تختلف في جوهرها عن مزاعم دعاة
التطبيع و التقارب مع الكيان الإسرائيلي من الاسلامويين المسوقين إلى شعارات من
قبيل "أن الصلح في الإسلام جائز و أنه مهم في السياسة التي يقدرها الحاكم من حيث
المصالح و المفاسد..." !!!
وهذا ليس بغريب على غلاة الاسلام السياسي وتمثلاتهم المتنوعة ويكفي التذكير هنا
بالعلاقة التي أقامها حسن البنا مع شركة "لافون" الصهيونية في اربعينات القرن
الماضي ودعوة عصام العريان عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان في 2012 اليهود
المصريين "للعودة إلى وطنهم..." وكذلك بيان الإخوان الذي صدر سنة 2017 على هامش
القمة العربية والذي ينص على الإعتراف بدولة إسرائيل...!!! ناهيك عن علاقات داعش
وجبهة النصرة وغيرهما بأمريكا والكيان الصهيوني تحديداً...!
لذلك يترتب على الأحرار المنتصرين للشعب الفلسطيني وعدالة قضيته وكذلك على الشعب
التونسي الذي يعتبر من أكثر الشعوب العربية مناهضة للكيان الصهيوني الغاصب ورفضاً
للتطبيع معه عدم التعويل على زيف ادعاءات رواد الحداثة الشكلية الزائفة كما رواد
الاسلام السياسي بمختلف تمثلاته الذين أثبتت الوقائع أن همهم الوحيد هو السلطة
ومصالحهم واجنداتهم المحلية و الخارجية ومن ضمنها إرضاء امريكا وكيان اسرائيل ...
والتصدي بكافة الأشكال النضالية المتاحة لهذا التمشي التطبيعي المشين ومقاومته
بالجدية اللازمة في خطواته الأولى قبل أن يصبح امرا واقعا صعب الخلاص ... فالرقص
يبدأ بخطوة !
بالمناسبة لنتابع ما إذا كان الرئيس التونسي الجديد الذي عبر خلال حملته الانتخابية
عن مناهضته للتطبيع ، جادا فعلا في تفعيل هكذا شعار خارج الشعارات الاستهلاكية
الخاوية وما إذا كان قادراً على لي العصا في وجه أنصاره وداعميه من مؤيدي التطبيع
من الاسلاميين والليبراليين على حد سواء
![]()
أترك مداخلة
شكرا لمداخلتك
سوف يتم نشرها أسفل مادة الكاتب
شكرا لمداخلتك
سوف يتم نشرها أسفل مادة الكاتب

