المقال
قضية تمثال المرأة العارية في مدينة سطيف بالجزائر واللغط الذي أحدثته محاولة
تدميره من قبل شخص مكتهل ملتحي بين مستنكر لذلك بدافع حب الفن واحترامه ومؤيد بدعوى الفحش المتضمن
في التمثال وساخر لم يحد إﻻ السخرية معالجا لواقعه المحبط المثخن بالجراح واﻻنكسارات تعكس بحق
أزمة داخل مجتمع فقد القدرة على التفكير منذ زمن بعيد وانخرط في لعبة السخرية أو التنديد أو
التأييد عبر مواقع التواصل اﻻجتماعي والمقاهي للرجال والحمامات للنساء والتي تعكس بدورها
حالة من الملل واﻹحساس بالضياع فلم يجد غير الضحك لمداوة جروحه وإحباطاته السياسية
واﻻجتماعية وكما قال الشاعر قديما :ولكنه ضحك كالبكا أو :وشر البلية ما يضحك !
في مجتمع ﻻ ينتج فكرا ويكتفي باﻻستهﻼك تتبلد حاسته الجمالية وينخرط حتى في استهﻼك
تماثيل فترة عبوديته للمستعمر وفي ظل مؤسسات فاقدة للمشروع الحضاري ولما يسمى مشروع
مجتمع يصبح التمثال حديثا وطنيا وبدعوى الظﻼمية وأخطارها على الفن والحياة يصبح
عالميا ، بينما انهيار المنظومة التربوية لصالح المؤسسات التعليمية الخاصة المعتمدة
وغير المعتمدة ونمو المؤسسات اﻻستشفائية الخاصة بشكل رهيب ﻻ يثير استنكارا لدى
الناس وﻻ يدعوهم إلى التفكير في أفول دولتهم الوطنية حيث التعليم
العمومي الجيد المجاني والعﻼج المجاني الصحيح مكسبان دستوريان وهو يرى تقوض المكاسب
الوطنية التي ضحى الشعب من أجلها إبان المرحلة اﻻستعمارية لتذهب أدراج الرياح مع
مطلع اﻷلفية الثالثة حيث انخرط البلد في منظومة إمبريالية تهب خيرات البلد للغير
ويستاثر بالباقي القلة داخل البلد، كل هذا وكأنه ﻻحدث بينما يصبح تمثال عار حديث
الناس وكأن عري هذا التمثال هو الذي قوض أخﻼق الناس وتدميره فقط كفيل بإصﻼحها ونحن
نرى أخﻼق الناس تقوضت بالكامل بشيوع كل أمراض النفس والقلب معا ولعل وسائل التواصل
اﻻجتماعي واليوتوب والمواقع غير اﻷخﻼقية وما تقدمه من بذاءة ثعابين ليست في مدينة
سطيف بل في قلب كل بيت - إﻻ من رحم ربك - ولكن المعول ﻻ يستطيع النيل من الثورة
التكنولوجية الرهيبة التي نسفت أخﻼق ناس وهدمت أسرا وشردت أوﻻدا وتسببت في تسرب
مدرسي وخراب بيوت وذلك حال الشعوب الضعيفة غير المحصنة وغير المثقفة ثقافة إيجابية
حقيقية تسمح لها بالمشاركة البناءة في مسار التاريخ.

شخصيا كنت أود لو سحب هذا التمثال في الستينات إلى مكان خاص كالمتحف وعوض بتمثال
تنحته أيدي شباب وطني فنان يضاهي تمثال المرأة العارية من حيث الجودة الفنية
ويفارقه في المبدأ القيمي متماهي مع القيم الوطنية التي يؤطرها الدين اﻹسﻼمي
فالتناقض ظاهر بين تمثال ﻻمرأة عارية وقبالته مسجد يدعو إلى الفضيلة خمس مرات في
اليوم فأي مجتمع هذا يعيش هذا الفصام الحضاري؟
إن غياب المشروع الحضاري ومشروع المجتمع وأفول الدولة الوطنية وإفﻼس العقل وعدم
قدرته على إنتاج اﻷفكار وتبلد الحواس واﻻكتفاء حتى باستهﻼك التماثيل المضادة لقيمه
الحضارية يشكل نكبة حقيقية كما أن اللغط والجدل والضوضاء والصخب والتباكي على
التمثال يدعو إلى العجب مع أن المدرسة الخاصة والمستشفى الخاص قوضا المدرسة
العمومية والمستشفى العمومي مما سيحتم على عامة الشعب الكادح مزيدا من النزيف من
أجل الدروس الخصوصية والعﻼج الخاص المكلف في العيادات الخاصة تأكيدا ظاهرا ﻷفول
دولة الحقوق والمواطنة. لو أن أولي اﻷمر سحبوا هذا التمثال إلى مكان آمن مع الحفاظ
عليه كتحفة فنية وعوضوه بتمثال وطني منخرط مع القيم الوطنية لما وصل الحال إلى
معالجته بالمعول ولما وجد الناس في هذا الحديث محورا يوميا ﻷحاديثهم في حين يهددهم
التعليم الخاص واﻻستشفاء الخاص بامتصاص كرياتهم الحمراء والبيضاء معا وستتكفل وسائل
التواصل اﻻجتماعي اﻷخرى بتخريب بيوتهم وتسريب أوﻻدهم ، ورهن مستقبلهم للفراغ والعبث
والﻼجدوى. هذا العمل من قبل هذا الشخص يعكس أزمة حقيقية داخل مجتمع فقد البوصلة
والحصانة ولم تعد الحياة لديه سوى توفير متطلبات الحياة اليومية -وله بعض العذر في
ذلك- والمعول الذي هوى على رأس المرأة العارية إنما هوى على رؤؤسنا جميعا لينبهنا
إلى حقيقتها إنها رؤوس خاوية حائرة تائهة بين مجتمعات اﻻبتكار واﻹبداع والتمدن.
حالة من الفوضى السيميائية والعبث والﻼجدوى تنتاب المجتمعات العربية الفاقدة
للبوصلة والمشروع الحضاري ويصبح التدمير أسهل وسيلة لمعالجة الذهان والفصام والتبلد
ففي سوريا تم تدمير تمثال أبي العﻼء ذلك الشاعر الذي رفع شعار العقل والتعقل
والتفكير والدفاع عن الكرامة الشخصية واﻻعتزاز بالرأي وبث روح التساؤل والحيرة
والنقد في نفس اﻹنسان وعقله وعدم التسليم اﻷعمى والتقليد الممقوت، وهو القائل:
كذب الظن ﻻ إمام سوى العقل مشيرا في صبحه والمســاء
![]()
أترك مداخلة
شكرا لمداخلتك
سوف يتم نشرها أسفل مادة الكاتب
شكرا لمداخلتك
سوف يتم نشرها أسفل مادة الكاتب

