إنفجار بيروت:
هيروشيما .. تشيرنوبل ...وتحدي فيروز

 

 

مازال صوت فيروز يذكرنا بعنفوان بيروت وشموخها وهي تتحدى العواصف والدمار والحطام ليبعث الامل في أهلها ومحبيها... لتعود من جديد حياتها الصاخبة وهي تتمتع بصباحات الجمال وتصف صلابة لبنان وهي تغني لبغداد:
"أنا جئت من لبنان من بلد
إنْ لاعبته الريح تنكسر"
ليرد شاعرنا الكبير المرحوم محمد مهدي الجواهري الدين ويعبِّر عن عميق حزنه وهو يكتب لبيروت مواسيًا لما سيجري عليها وكأنه ادخر تلك القصيدة لهذا اليوم قائلًا :
"جللٌ مصابُك يا بيروت يبكيــنا ...
يا أخت بغـــداد ما يؤذيك يؤذينا"
"ماذا أصابك يا بيروت داميـــة ... والمــوت يخطف أهليك وأهلينا"

إنَّ ما حصل في العاصمة اللبنانية بيروت التي صدم سكانها بانفجارغير مسبوق في تاريخ بلادهم يُعَدّ أكبر كارثة إنسانية مرت على البشرية، كما تؤكد التقارير الصحفية أنَّ مرفأ بيروت الذي يعد أهم ميناء في لبنان والنافذة الوحيدة فيها، هو من أهم الموانئ في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، ونظرًا لموقعه الاستراتيجي، يُستخدم لاستيراد المواد الأساسية من دول العالم وتصديرها عبر الداخل اللبناني إلى دول الشرق الأوسط.

ويُعتبر هذا المرفأ ركيزة أساسية للاقتصاد اللبناني، إذ أنّه يلعب دورًا أساسيًا في عملية الاستيراد والتصدير وبالتالي تحريك العجلة الاقتصادية اللبنانية، ويتعامل مرفأ بيروت مع 300 مرفأ عالمي ويقدر عدد السفن التي ترسو فيه بـ 3.100 سفينة سنويًا، ويتألف المرفأ من 4 أحواض يصل عمقها إلى 24 مترًا، إضافة إلى حوض خامس كان قيد الإنشاء كما يضم 16 رصيفًا والعديد من المستودعات وصوامع تخزين القمح التي تؤمن أفضل شروط التخزين، لكنَّه في لحظة صمت رهيبة حوَّل بيروت إلى حطام بسبب مواد مخزنة ضمت مادة نترات الأمونيوم التي طالما ارتبطت بالعديد من الحوادث، ومع تعدد الروايات والتكنهات حول تلك الحادثة إلَّا أنَّ الحزن مازال هو سيد المواقف مع مئات الشهداء والمفقودين وآلاف الجرحى، فضلًا عن المشردين الذين يبحثون عن مأوى. إنَّها فعلاً مأساة العصر ...!!!


ما جرى على مرفأ بيروت يذكرنا بجريمة إلقاء القنابل النووية على مدينتي هيروشيما وناغازاكي، وكما تشير الوقائع التاريخية إلى أنَّ البشرية كانت على موعد مع بداية استخدام الأسلحة النووية الفتاكة غير التقليدية، تلك الجريمة التي اهتز لها الضمير الإنساني ولا يزال تصوِّر مظاهر الرعب والهلع الذي نتج عنها يفوق التصور الإنساني حتى اليوم. كما أنَّ التاريخ سيسجل أنَّ الولايات المتحدة كانت أوَّل من استخدم هذا النوع من الأسلحة؛ ففي يوم السادس من آب عام 1945 كان سكان مدينة هيروشيما اليابانية على موعد مع إحدى أبشع صور الوحشية التي تفتق عنها العقل البشري لتدمير الإنسانية. فقد حلقت طائرة من سلاح الجو الأمريكي فوق مدينة هيروشيما حاملة على متنها أفتك ما توصلت إليه العقلية البشري الشيطانية من أسلحة الدمار الشامل "قنبلة نووية مخصبة باليورنيوم أُطلق عليها، ربما لبرائتها، "الطفل الصغير" بقوة تدميرية تساوي 12.500 طن من مادة تي ان تي شديدة الانفجار وعلى أثرها ذابت جثث أكثر من 70.000 في النار فورًا، 140.000 كانت حصيلة القتلى حتى نهاية كانون الأول عام 1945، وآخر إحصائية رسمية لكارثة هيروشيما تتجاوز 242.000 إنسان ليفجع العالم مرة أخرى بحادث أشد قسوة، فكان انفجار مفاعل تشرنوبل النووي الذي يعد أكبر كارثة نووية شهدها العالم في التاريخ، كما تصفها الكتب والمدونات، حيث وصل الدخان الناتج من النيران المشتعلة إلى ارتفاع كيلومتر بينما حملت الرياح هذا الدخان السام إلى سماء أكثر من 12 دولة. إنَّ انفجار مفاعل تشرنوبل النووي وقع في المفاعل رقم 4 في محطة تشرنوبل للطاقة النووية في 26 نيسان 1986 قرب مدينة بريبيات في شمال أوكرانيا التي كانت حينذاك إحدى جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، واليوم يتكرر المشهد نفسه ولكن بصورة أشد بشاعة، وكل هذه المعطيات تشير إلى حجم الدمار الذي خلفته تلك الحوادث، ناهيك عن المآسي التي مازالت شاخصة إلى يومنا هذا، فما بالك بلبنان الذي يعاني من تدهور على كافة الأصعدة. كيف سيكون مصير شعبه مع سلطة سياسية يعدها السبب الرئيس وراء مايجري في البلاد من جوع وفساد وآهات الثكالى...؟؟؟

وبعيدًا عن تبادل الاتهامات والأسباب التي قادت لتلك الفاجعة الأليمة لكنها في جوهرها أظهرت الهوة الكبيرة بين الطبقة السياسية والشعب اللبناني، وبالتالي آن الاوان لرحيل هذه الطبقة التي عليها أوَّلًا أنْ تعترف بفشلها الذريع وتعتذر للشعب المنكوب وتسارع لإجراء انتخابات مبكرة، "إذا كانت تريد الخير لشعبها"، يستطيع اللبنانيون من خلالها اختيار من يقودهم إلى برّ الأمان في هذه المرحلة الحساسة والعصيبة التي تتطلب التكاتف بين اللبنانيين بعيدًا عن التكهنات حول أسباب تلك الحادثة ومَنْ يقف وراءها، لأنَّها ستزيد من عمق الانقسام اللبناني الذي يعيش حالة من الانهزام بالأصل، ومؤكد أنَّ ما جرى في كل الأحوال تتحمل نتيجته المنظومة السياسية الفاشلة التي أغرقت البلد بفسادها وجعلت المواطن اللبناني يتحسر على رغيف الخبر وبات على العقلاء أنْ يعوا أنَّ لبنان لا يستحق ما حصل له وأنْ يقفوا بوجه المتباكين على المناصب والانصياع لصوت الشعب الذي بات يشكي للغرباء الحيف الذي لحق به؛ فما زال مشهد السيدة اللبنانية وهي تعانق الرئيس الفرنسي بحرارة يهز المشاعر ويوحي بالانتكاسة ومدى الظلم الذي لحق بالشعب جراء من يتسابقون على كرسي السلطة وما أقدم عليه عشرات الآلاف حينما وقعوا خلال ساعات عريضة تدعو إلى عودة الانتداب الفرنسي إلى لبنان دلالة على رفضهم للسلطة القائمة وبالتالي فصوت العقل يجب أنْ يغلب هذه المرة وإلَّا فإنَّ الأمور قد تسير إلى المجهول لا سمح الله... ومن قلبي سلام لبيروت...!!!