|
في البداية لم أرغب بالكتابة عن إنفجار ميناء بيروت
وما خلفه من ضحايا أسأل الله أنْ يغفر لهم ويرحمهم، ومصابين أسأل الله أنْ يعجل
بشفائهم، ومشردين يبحثون عن مأوى أسأل الله أنْ يسترهم، والسبب أنَّ حال الأمة
العربية من بغداد ودمشق ومرورًا بصنعاء ومقديشيو وصولاً إلى طرابلس وحتى نواكشوط
أصبح مأساوياً واليوم الذي يمر دون حدوث كارثة يصبح في نفسك الشك والظن بأنَّ هناك
ما هو أخطر قادم لهذه الأمة.
ولكن ما نشره موقعا BBC عربي، DW الألمانية من تفاصيل عن زيارة الرئيس الفرنسي
ماكرون لموقع الحادث في بيروت ودعوته إلى:- (تغيير عميق في لبنان بإعادة تأسيس
ميثاق جديد " نظام سياسي جديد"، ودعوته لإجراء تحقيق دولي مفتوح وشفاف) هو ما أعاد
إلي مشاهد تمزيق الضباع لجسد الأمة العربية بمخططات سايكس بيكو واستمرار الرغبة من
هذه الضباع (الدول الاستعمارية الكبرى) في تفتيت وتقسيم الممزق فيما كان وطنًا
عربيًا، بتطبيق سيناريوهات التقسيم الجديدة لمخطط المستشرق الصهيوني الأمريكي
البريطاني الأصل د. برنارد لويس الذي اعتمده الكونغرس الأمريكي في جلسة سرية عام
1983 والقائم علي فكرة تقسيم بلدان الشرق الأوسط إلى مقاطعات عرقية ودينية وحزبية
لتصحيح أخطاء اتفاقيه سايكس بيكو بالشكل الذي يستغل الآن لصالح مشروع كوشنر
والمعروف إعلاميًا بـ(صفقة القرن).
الآلام اللبنانية
1- لبنان مسرح كبير لتصفية الصراعات الدولية أو
لتحقيق أهداف مشتركة بين قوى إقليمية أو دولية وعلى رأسها (أمريكا وفرنسا وروسيا
وإيران وسوريا والسعودية وإسرائيل).
2- النخبة السياسية الحاكمة في لبنان حالها كحال النخب السياسية العربية فلا رؤية
تنموية أو اقتصادية أو هدف سياسي أو تصور مستقبلي أو بعد استراتيجي للحفاظ على
الأراضي العربية.
3- التعددية الطائفية في لبنان بدلاً من كونها ميزة تؤكد التنوع الفكري والحضاري
والثقافي والديني وهي أحد أهم عناصر القوى الناعمة إنْ أُحسن استغلالها، صارت سبيلاً
للتهديد بالحرب الأهلية والابتزاز لشعب لبنان جميعه بلا استثناء لتحقيق مكاسب
سياسية ومالية لزعماء هذه الطوائف.
4- توزيع الوزارات والإدارات الحكومية والمجالس النيابية والبلدية على أساس
المحاصصة الحزبية والطائفية والقبلية بعيدًا عن معيار الكفاءة والتخصص والمهنية.
5- في شهر أكتوبر 2019 بدأت مظاهرات مناهضة للحكومة على إثر فرضها (ضريبة جديدة
تُضاف على وسائل التواصل الاجتماعي) وأظهر اللبنانيون مشاهد وحدة وطنية بالغة الرقي
هزمت أفكار الطائفية والحزبية التي عززت في أزمنة سابقة.
6- نتج عن هذا استقالة رئيس الوزراء سعد الحريري، ونضوج للعقل الجمعي للشارع
اللبناني، الذي أرسل رسالة لنفسه وللعالم مفادها (نحن نستطيع العيش سويًّا ونستطيع
أنْ ننجح تحت علم لبنان فقط وتمزيق ما عداه من أعلام)، ومن هنا ظهرت بوادر إفشال
مخططات الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية والفرنسية والإيرانية والسعودية التي
دعمت الطائفية والحزبية والتقسيم.
7- وهو ما أربك حسابات القوى الطائفية والحزبية المتصارعة في الداخل اللبناني وأربك
حسابات الأطراف الإقليمية والدولية المتصارعة في لبنان وعليه بدأت خطوات تدمير
الثورة اللبنانية كالآتي:- (تصعيد الأزمة المالية والاقتصادية على المواطن، ارتفاع
جنوني لكافة السلع والخدمات الرئيسة، تهريب دولارات من البنوك اللبنانية إلى بنوك
في الولايات المتحدة وأوروبا وأمريكا اللاتينية، أزمة هبوط سعر الليرة اللبنانية
أمام الدولار بشكل غير مسبوق، قيود من البنوك لتحديد قيمة ثابتة للسحب الأسبوعي أو
اليومي من المواطنين، وضع الجيش اللبناني في حالات اشتباكات مع المتظاهرين، ثم
قانون قيصر الأمريكي على سوريا وآثاره على تحجيم القدرة الاقتصادية للبنان و حزب
الله، وأخيرًا تفجير ميناء بيروت بدعوى الإهمال في تخزين نترات الأمونيوم).
المنادون بعودة الإنتداب
فرنسا لم تتخلَّ يومًا عن أطماعها في الشرق الأوسط
وتحديدًا (لبنان)، فهو البعد الاستراتيجي لمخططاتها وأحلامها الاستعمارية، وأماكن
خيرات وثروات الأرض في الشرق الأوسط، وتحقيق هيمنة فرنسية وتواجد عالمي مؤثر، ولا
يمنع الأمر إطلاقاً من خدمة المشروع الصهيوني الإسرائيلي في المنطقة لأنَّ إسرائيل
خلقت برضاء وتوافق استعماري عالمي.
ولا تغتر أخي اللبناني أو أخي العربي بمشاهد (أحضان ماكرون للبنانيين، وخلع الجاكت،
وحديث بحبك يا لبنان، ولقاء ماكرون لكل التيارات والاتجاهات السياسية والطائفية بما
فيها حزب الله (الذي لا يجب أن يفرح بهذا ويظن أنه ضد توجهات أمريكا)، فما قام به
ماكرون ستارة باهته لن يؤمن بها إلا السذج أو العملاء. ففرنسا بطبيعتها إحدى أكبر
وأهم الدول الإستعمارية في العالم، غير النخبة الفرنسية الحاكمة الآن لديها خلفيات
يمينية تدعم رؤى استعبادية للبشرية، ومن ثم نظرتهم للعالم الثالث الأفريقي والعربي
على أننا خدام لطموحاتهم الاستعمارية وما شهده:- (سوريا ولبنان وتونس والجزائر
والمغرب وبلدان أفريقيا) خير شاهد على حجم الجرم الاستعماري السابق والحالي، ويكفيك
الإطلاع على ما ذكرته (أ / شاهينازالعقباوى في الأهرام العربي ونقله موقع / المحور
العربي بتاريخ 12 ديسمبر 2018 بعنوان - الجرائم الاستعمارية :- فرنسا تفرض إتاوة
على 14 دولة أفريقية تحت اسم "ضريبة فوائد الإستعمار" وجاء فيه الآتي :- بأنَّ دول
(بنين، بوركينافاسو، غينيا بساو، ساحل العاج، مالي، النيجر، السنغال، توغو،
الكاميرون، جمهورية أفريقيا الوسطى، تشاد، جمهورية الكونغو، غينيا الاستوائية،
الغابون، من خلال اتفاق استعماري تقوم بوضع 85 % من احتياطاتها الأجنبية في البنك
المركزي بباريس تحت سيطرة الوزير الفرنسى للرقابة المالية. فمنذ عام 1961 وعقب
توقيع الاتفاقية أصبحت تلك الدول برغم تحررها من الاستعمار مقيدة بدفع استحقاقات
البنية التحتية التي أقامتها فرنسا فيها خلال استعمارها لها وفقًا لما تحدده باريس،
هذا فضلًا عن أَّنها مجبرة على استخدام العملة الفرنسية للمستعمرات (الفرنك
الأفريقي)، هذا بالإضافة إلى العديد من الشروط الإجحافية التي تجد أمامها الدول
عاجزة حتى عن المضي خطوات نحو التقدم).
وأقول للشعب اللبناني إياك أنْ تنخدع وتنجر باستبدال الاحتلال غيرالمباشر بالاحتلال
المباشر فكلاهما (سبب ما أنتم فيه) بل أقول (سبب ما فيه العرب جميعًا) فالجماعات
النخبوية في العالم الثالث تعمل على نهب خيرات الشعوب جزء منها لصالحها والآخر
للدول الاستعمارية الداعمة لها لتحقيق الهيمنة السياسية والاقتصادية على مقدرات هذه
الدولة بإغراقها في ديون وقروض صندوق النقد الدولي، وفكرة التمويل المالي الأوروبي
والخليجي المشروط بإصلاحات سياسية واقتصادية يُمليها المانحون ما هو إلا تعزيز
للنهج الاستعماري وأدواته واستمرار سيناريوهات نهب الخيرات العربية والتحكم في مصير
العرب.
وطرح فكرة تدويل انفجار ميناء بيروت من خلال (تحقيق دولي مفتوح وشفاف) الغرض منه
سأقوله باللغة العامية المصرية وهو (فتح الباب لكل من هب ودب للتدخل في الشأن
اللبناني)، مع تمكين صريح لفرنسا وأمريكا وإسرائيل من لبنان وعليه يحدث التمكين
الكامل على سوريا والعراق وإيران ولا تستبعد الأردن، ومن ثم تنفيذ صفقة القرن على
كامل الأراضي العربية.
الانفجار وأصابع إسرائيل
كل من قرأ عن نهج وأسلوب عمل الموساد يُدرك أنَّ
الأمر مُدبر ولا يخرج عن يد أجهزة الأمن الإسرائيلية وربما قريبًا تكشف أجهزة
الاستخبارات العربية و الأجنبية الأمر، وما سأقوله هو تحليل من وجهة نظري:-
لبنان بطبيعته وملابساته بلد مفتوح ومن ثم تنشط فيه أجهزة أمنية عدة على رأسها
الموساد والذي لن تخفى عليه معلومة وجود آلاف الأطنان من نترات الأمونيوم في ميناء
بيروت منذ سنوات.
وقد سبق حدوث عمليات مماثلة وغامضة اتضح في ما بعد من أدلة وتقارير صحفية أو
تسريبات سياسية ودبلوماسية أنَّ إسرائيل وراءها حتى لو نفت الحكومات الرسمية ذلك،
ومنها على سبيل الذكر:- (أحداث تفجير برجي التجارة العالمي في 11 سبتمبر 2001 في
أمريكا، ثم الدفع بالعراق لغزو الكويت في 1990، ثم ضرب أفغانستان 2001 بدافع القضاء
على حركة طالبان، ثم ادعاء كاذب بامتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل وإسقاط نظامه
في 2003، تفجيرات بومباي 2006، 2008 في الهند، مواجهة اللبنانيين العاملين على
تجارة الألماس في أفريقيا، وما حدث من قتل وقتل مضاد في دارفور في السودان، وما
يحدث من فتن طائفية وعرقية في الشرق الأوسط وأفريقيا، والتاريخ الأسود لإسرائيل في
الاغتيالات الفردي منها والجماعي ضخم)، ويمكن الرجوع في هذا إلى كتاب (أخطبوط أسمه
الموساد – قرصنة ماء النيل - أسرار العمليات القذرة - أ / حنان أبو الضياء).
كما أن بنيامين نتنياهو لديه إشكاليات كُبرى مُعقدة مع الداخل الإسرائيلي فالائتلاف
الحكومي الحالي كارثي النتائج على إسرائيل، وشبح الخوف من فشل الحكومة يلاحقه،
والدخول في انتخابات رابعة مع بن جانيتس تطارده، والعداء بينه وبين ليبرمان توتره،
جميعها عوامل ربما تؤدي به إلى السجن في ظل تهم الفساد التي تلاحقه، بالإضافة إلى
تعطل صفقة القرن، وفشل محاولات ضم أراضي من الضفة الغربية وغَور الأردن، مع خروج
مظاهرات عديدة وكبرى ضد سياساته في إسرائيل تُطالب برحيله ومحاكمته، ومن ثم المخرج
الوحيد هو إرهاب وإخافة الداخل الإسرائيلي والمحيط حولها في لبنان وسوريا والأردن
والعراق.
وما يدلل على ذلك ما ذكره لبنانيون كثر من مشاهدة طيران إسرائيلي فوق بيروت وقرى
جبل لبنان لحظة الانفجار، مع تصريحات ترامب بكون العمل انفجار نتيجة استخدام قنبلة.
وما ذكره موقع (sputnik عربي:- نقلاً عن صحيفة يسرائيل هايوم التي نشرت صباح
4-8-2020 (وهو اليوم الذي انفجر فيه ميناء لبنان عصرًا) الآتي:- بأن خطة الجيش
الإسرائيلي الجديدة تقضي بتوجيه ضربة قاسمة لحزب الله في لبنان بهدف ضمان سلام طويل
المدى بين الجانبين الإسرائيلي واللبناني ولإجبار حسن نصر الله عن التخلي عن ثأره
من مقتل أحد عناصره في مطار دمشق إثر غارة جوية إسرائيلية هناك).
ومن وجهة نظري هي ذات الفكرة التي يؤمن بها الصقور الأمريكيون في البنتاغون وCIA
فكرة الضربة الاستباقية للخروج من الأزمات السياسية الداخلية والدولية، ومن ثم
تنفيذ عملية بهذا الحجم تُمكن من إنهاك لبنان وحزب الله وتجعلهم منشغلين بالداخل
غير قادرين على الانتقام بفتح جبهة جديدة مع إسرائيل، وإنْ كان لهذا تصور أخطر و
أعمق بكون إسرائيل خائفة ومرعوبة من حرب مفتوحة مع حزب الله أو مع غزة لأنها لم تعد
قادرة على ذلك فإسرائيل الآن أقل كثيراً من إسرائيل 1948، أو إسرائيل 1967، 1973،
أو إسرائيل 1982 ، والأفضل لها الآن سيناريو (إضرب وإجري).
الرد اللبناني
تتفق تختلف في وجهة نظر حضرتك نحو حزب الله (بأنه
يقوم باختطاف لبنان أو إنه جزء من حفظ التوازن الداخلي للبنان، وبأنه قد أجرم بحق
الشعب السوري أو أنه أعطى قبلة الحياة لنظام بشار، أو إنه يعمل لحساب إيران) فأنت
محق في كل هذه الآراء جميعًا. إلا أنه أستطاع أنْ يضع حدًا لمطامع إسرائيل العسكرية
في لبنان، كما أنَّ القدرة التسليحية والمهارية له تطورت بشكل جيد وهو ما جعل
إسرائيل ترفع مستوى الاستنفار الأمني إلى ما (فوق العادة) عند أي توتر على الحدود
اللبنانية أو مع قطاع غزة، وهو ما جعل إسرائيل عاجزة عن الدخول في حرب شاملة مفتوحة
مع أحدهما أو كلاهما، وبالتالي تم وضع قواعد جديدة لردع إسرائيل (بطريقة اللبنانيين
أرسى قواعد اشتباك جديدة) من منطلق (العين بالعين، والسن بالسن، والبادي أظلم)، وقد
قدم نفسه على كونه أحد أهم محاور المقاومة العربية في الخمسة عشر عامًا الأخيرة لذا
من تصور أنَّ حزب الله لن يرد فهو (إما أحمق أو مغرور أو لديه تقييم سياسي وعسكري
فاشل) فالرد سيكون بالغ العنف ولا أستبعد أنْ يكون في العمق الإسرائيلي مع زعزعة
للقبة الحديدية الإسرائيلية بعمل عسكري مشترك مع الجيش اللبناني والهدف من ذلك:- رد
هيبة لبنان، وإرسال رسالة بأنَّ الجيش اللبناني وحزب الله يستطيعان العمل معًا، وإن
لم يقوما بذلك ثق أنَّ الشعب اللبناني سينهش كلاهما.
وبعدها ستجبر كل الأطراف اللبنانية بضغط شعبي على تسوية المشهد اللبناني، والوصول
إلى حل جذري لإشكاليات الداخل الاقتصادي والسياسي، وفي ظل مساعدات مالية وإنسانية
من كثير من الدول تهدف إلى تحقيق تواجد اقتصادي مستقبلي لها في لبنان، فدائمًا ما
تكون الكوارث والأحداث الكبرى سببًا في توحيد الشعوب وتحديد هدف وطريق جديد لها.
الموقف العربي
يجب أن يُدرك العرب بأن خطوات القوى الاستعمارية
تسارع الزمن منذ بداية الألفية الجديدة لبسط نفوذها على أراضيهم بشكل كامل تنامت
خطواتها منذ أن دخل الشعب العربي كلاعب جديد على ساحة التغيير السياسي، وأنه يجب
استباق موجات التغيير في كل البلدان العربية الرافضة للعنصرية والحزبية والقبلية
والطائفية، (من قال عنهم بوش الإبن إنَّ البلدان العربية سيحكمها متمردين على
إسرائيل رافضين للهيمنة الأمريكية)، وعلى العرب تقييم المشهد وفق معادلة شديدة
الدلالة والأهمية وهي:- معادلة د. جمال حمدان في كتابه استراتيجية الاستعمار
والتحرير حين قال :- (إنَّ هناك معادلات عالمية تتألف من عدة متتاليات إقليمية
تختزل أساسيات الصراع المستقبلي:- مصير الإمبريالية العالمية يتوقف على مصير العالم
الثالث – ومصير العالم الثالث يتوقف على مصير العالم العربي – ومصير العالم العربي
يتوقف على مصير فلسطين وإسرائيل).
وعليه يصبح الحل عند العرب وحدهم.
| لطفا إشترك في الصفحات التالية |
| المزيد من مقالات العدد 46 |