بيروت عاصمة منكوبة

 

 

اليوم، وبعد أيام من المأساة التي تعرضت لها العاصمة اللبنانية بيروت بدأت الصورة تتضح إلى حد ما، كاشفة الأسباب الحقيقية للانفجار الذي وقع في الرابع من هذا الشهر في مرفأ بيروت، وسأحاول تلخيصها هنا اعتمادًا على ما نشرته وسائل الإعلام الأجنبية واللبنانية.

كان سبب الانفجار المهول في قوته ومساحة تأثيره وحجم الدمار الذي خلَّفه، وفقًا لمعلومات أكدها رئيس الوزراء اللبناني، هو مواد متفجرة جورجية الأصل من نترات الأمونيوم، تم تخزينها في ميناء بيروت منذ نهاية عام 2013. حينها احتجزت السلطات اللبنانية باخرة تحمل 2750 طنًا من نترات الامونيوم، كانت مرسلة من ميناء باتومي على البحر الأسود إلى موزمبيق في 23 سبتمبر 2013 . وإثر تزودها بحمولة إضافية من الحديد في ميناء بيروت، تعرضت لعطل فني استوجب اصلاحها في المرفأ قبل مواصلتها رحلتها.

ونتيجة لإشكالات مالية، منها مستحقات قديمة للمرفأ عن رسو سابق لنفس السفينة إضافة إلى مصاريف الاصلاح التي لم يكن بمقدور طاقم السفينة دفعها، حصل ما لم يكن متوقعًا، فقد هرب أغلب طاقم السفينة ولم يبذل المالك أي جهد لدفع المستحقات المالية واستعادة السفينة. على إثر ذلك، اضطرت إدارة المرفأ إلى الحجز على السفينة في 15 أكتوبر 2013 ونقلت الشحنة التي على ظهرها إلى مستودعات مرفأ بيروت. وقد أشارت سلطات مرفأ بيروت في وثائق المصادرة إلى نوعية الشحنة، وهي مواد قابلة للانفجار.

منذ عام 2014 ، حاولت الجهات الحكومية اللبنانية نقل البضاعة الخطرة إلى الجيش اللبناني، كما عرضتها على مصنعي الألعاب النارية، ولكنَّ جميع الجهات التي عرضت عليها البضاعة المصادرة رفضوا التعامل مع نترات الأمونيوم لأسباب مختلفة. في الوقت نفسه، تلقت السلطات اللبنانية تحذيرات (بما في ذلك من رئيس مكتب الجمارك في مرفأ بيروت) بأنَّ هذه الشحنة خطرة ولا يجوز خزنها في مرفأ بيروت. إلَّا أنَّ السلطات اللبنانية، منذ ذلك الحين، أي منذ بداية عام 2014، تجاهلت تلك التحذيرات ولم تتعامل بمسؤولية مع حجم التهديد الذي يشكِّله بقاء الشحنة في مخازن المرفأ. ونتيجةً لذلك كانت القنبلة الموقوتة في ميناء العاصمة سببًا في تدميره في 4 أغسطس، إلى جانب جزء من العاصمة اللبنانية.

ويبقى قيد التحقيق السبب وراء التفجير في ذلك اليوم بالذات. أهو بسبب إهمال وعدم دراية من إدارة المرفأ، خاصة وأنَّ هنالك معلومات عن أعمال صيانة استُخدم فيها اللحام قرب المخازن التي تحتوي على المواد المتفجرة، أم أنَّ وراء التفجير أياد خبيثة وعمل تخريبي مخطط له، فالبعض من سكان العاصمة بيروت لاحظ نشاطاً للطيران الإسرائيلي في سماء المدينة قبل حصول الانفجار، وقد أكد هذا الخبر نائب رئيس مجلس النواب اللبناني.

ومع ذلك، فإن كل هذا لا ينفي الإهمال الصارخ وعدم المسؤولية من أولئك الأشخاص الذين سمحوا باحتمال وقوع مثل هذا الانفجار، ولم يجدوا وسيلة للتخلص من البضائع الخطرة خلال 6.5 سنوات.

جدير بالذكر تصريح الرئيس الأمريكي ترامب، الذي عبر فيه عن اعتقاده بأن ما حصل في مرفأ بيروت كان نتيجة انفجار قنبلة في هجوم مخطط له على المرفأ. مضيفًا أنَّ اعتقاده مبني على رأي جنرالات البنتاغون الذين لم يكشف عن أسمائهم، والذين، بحسب ترامب، لا يعتبرون الانفجار حدثًا عرضيًا.

بحسب تقديرات مختلفة، كان يعيش ما بين 200 و 250 ألف شخص في المنطقة المتضررة من الانفجار. لذا فقد كان من المتوقع أن يكون عدد الضحايا كبير جدًا، هذا عدا الدمار الهائل الذي لحق بالعاصمة اللبنانية بيروت. ومن رأفة الأقدار، أنَّ مخزن الحبوب المدمر في مرفأ بيروت أنقذ الكثير من الأرواح، ممتصًا جزءًا من قوة الانفجار، ولولا أنه شكل عقبة أمام عاصفة التفجير لكان هناك عدد أكبر من الضحايا جنوب مركز الانفجار.

لا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ لبنان، الذي يمر بأزمة اقتصادية، سيجد صعوبة بالغة في التعافي من هذه الضربة من دون مساعدة دولية جادة. خاصة وأن لبنان يخضع لعقوبات أميركية.

وأخيرًا ما هو موقفنا نحن في العراق من نكبة بيروت. لقد أظهرت مأساة بيروت مرة أخرى أن هناك أناس، وأن هناك مخلوقات وحشية تنعشها آلام الإنسان وتطلق مواهبها. كعادة الله، وهي شأن من شؤونه التي ليس من حقنا الغور في مغزاها، أنه يخلق من كل شيء نقيضه، كما خلق إبليس نقيضًا للملاك الحارس الرحيم.

من المستحيل مشاهدة اللقطات التي عرضتها وكالات الأنباء بعد نكبة بيروت بدون دموع ورعب وغضب. فخلال ثوان معدودة أصبحت المدينة وسكانها يعيشون بين حياتين الأولى سبقت الانفجار والثانية بعد الانفجار.

أناس ملقاة جثثهم على الارض، دماء تلطخ الحجارة وأصوات استغاثة من بين الأنقاض. عمال الطوارئ يتراكضون بعجالة بحثًا عن بقية أحياء يحتاجون للمساعدة قبل أن تغادر الأرواح أجسادهم، تاركين وراءهم نساء تبكين وتولولن وأطفال يصرخون من الألم والخوف.

بعض اللبنانيين شبهوا ما حصل بانفجار هيروشيما وناكازاكي. ومع قناعتي بأنهم لم يشاهدوا هذين الانفجارين إلَّا في الصور ولأافلام الوثائقية. إلاَّ أنَّها نفس الوقائع تتكرر، هرب من جحيم ورعب لا يطاق ودموع تنهمر من الأعين بغزارة.

في البداية ساورني يقين بأنَّه لن يجرؤ أحد في العراق على استثمار هذه المأساة لأغراض سياسية رخيصة. لكنني كنت مخطئا. فقد اتضح، عند مطالعتي ما يكتب في مواقع التواصل الاجتماعي، أنَّ هناك الكثير من "المحللين" الذين شمروا عن سواعدهم ليخطوا منشورات بائسة عن أن الانفجار وقع في "مخازن حزب الله" المليئة بالأسلحة والمتفجرات والتي لم تجرؤ الدولة اللبنانية على الاقتراب منها. أو أنها نتيجة حتمية لوجود نهج مقاوم في لبنان، لذا من الأسلم لنا استدعاء الحماية الأمريكية كما أنه من الأفضل للبنانيين العودة إلى الانتداب الفرنسي.

وعندما جاءت الأنباء عن أنَّ العراق ساهم في إرسال مساعدات إلى لبنان للمساهمة في إزالة تداعيات الانفجار. فاذا بهؤلاء "المحللين" الذين بدأوا منشوراتهم بالترحم على "أشقائهم" اللبنانيين وصبوا جام غضبهم على أحزاب لبنانية دون غيرها، إذا بهم يعيدون ترتيب عضلات وجوههم ويرمون سهامهم على حكومتهم "البطرانة" التي لا تهتم بحاجات مواطنيها وتوزع خيرات البلد على "الآخرين".