فاجعة بيروت
التحقيق الدولي بين القبول والرفض

 

 

(لا تصير حرامي، لا تخاف من القاضي)

واحدة من تداعيات الآنفجار المأساوي لمرفأ بيروت، هي الجدل الحامي حول البت فيمن يجب ان يحقق في الكارثة، اسبابها ونتائجها والحقائق المرتبطة بها .. هل يجب ان يكون لبنانيا صرفا, ام دوليا من قبل اطراف عدة محايدة، تمتلك الخبرة ومصداقية النتيجة والقرار...؟

المجتمع الدولي وانصار ثورة 17 تشرين الأول اللبنانية وغالبية القوى والاحزاب السياسية مع اتجاه اجراء تحقيق دولي بغية الكشف عن الاسباب والمسببات والمتورطين فيها عمدا او اهمالا كل حسب درجة تورطه ومسؤوليته .. ومقابل هذا الاتجاه هناك من يرفضون التحقيق دوليا ويقود هذا الاتجاه حزب الله اللبناني وحلفائه من ضمن الطبقة السياسية اللبنانية ومعهم رئيس الجمهورية ميشيل عون.

وحجة الرافضون هؤلاء هي ان التحقيق الدولي في الكارثة تعد انتهاكا للسيادة الوطنية اللبنانية ..!! وكأن التدخلات الايرانية السافرة (عبر جسر حزب الله) في كل كبيرة وصغيرة من الشأن اللبناني لا يعد انتهاكا للسيادة اللبنانية وانها نابعة من عمق وأصالة التراث الأجتماعي والثقافي الوطني اللبناني...!

وهكذا فالواضح من السجال اللبناني بخصوص الرفض والقبول (لتحقيق دولي) هو اتجاهين، اتجاه يرى في مسألة القبول الوسيلة المضمونة لكشف الحقائق بعيدا هن الاهواء وتحالفات المصالح السياسية الخاضعة لضغوط وتأثيرات نفوذ اصحاب المصالح المحلية والأقليمية .. واتجاه يرعبه انكشاف وانفضاح كامل عورة الفساد المتفشي في الكيان السياسي والاداري في لبنان.

حبذا لوكانت مؤسسة الحكم في لبنان تحظى بما يكفي من ثقة الشعب بها كي تتمكن فعلا من انجاز تحقيق نزيه يرضي ويقنع بنتائجه الشارع اللبناني الساخط .. لكن الثقة هذه معدومة ليس على المستوى الشعبي اللبناني فقط بل وعلى المستوى الدولي ايضا. اذن كيف يمكن الثقة بنتائج تحقيق لجنة تحقيقية معينة من قبل حكومة فاقدة لثقة الجميع؟

ما حدث كارثة لم تلم بلبنان فقط بل اصابت المنطقة برمتها وتأثيراتها ستظهر تباعا. والكشف عن كل الغاز ماحدث امر ملح ويهم الجميع، فكل الحقائق ذات الصلة بالفاجعة اللبنانية يجب ان تكشف ويعلن عنها داخل وخارج لبنان...

اجل، فالمسألة اكبر من كونها لبنانية ومن دون تحقيق دولي جدي فاعل، قد تمتد بتداعياتها الى كافة الاتجاهات شرق اوسطيا واقليميا ودوليا بسبب المناخ السياسي المضطرب في المنطقة اساسا وماتمر بها من توترات وصراعات عرقية حساسة ونزعات فاشية وعنصرية ومذهبية مقيتة مشبعة بالتطرف والارهاب، تحركها احلام احياء امبراطوريات وخلافات بائدة في المنطقة.

من الحقائق التي يحاول حزب الله اللبناني وبلسان أمين عامها انكارها، مسألة سيطرة حزبه وميليشياه على مرفأ بيروت وبواباته، وحكاية (بوابة فاطمة) في ميناء بيروت، معروفة لدى القاصي والداني وكيف انها كانت مخصصة بالكامل لحزب الله يدخلون ويخرجون منها كيفما ومتى ما شاؤوا من دون حسيب ورقيب خلافا لكل الاعراف والبروتوكولات الجمركية والأمنية المتبعة في كل موانيء العالم، هذه البوابة كانت المدخل الى اهم المواقع حساسية في الميناء ومنها مواقع العنابر وصومعة لبنان الوحيدة لخزن الغلال وبينها عنبر 12 الذي احتوى خزين نترات الآمونيوم المعروفة باستخداماتها كسماد زراعي وكمادة خطرة في صناعة المتفجرات باشكال وقدرات منوعة بالاضافة الى امكانية تصنيعه كوقود للصواريخ...

الأتجاه السائد حتى الان في ما قيل ويقال حول مسببات الانفجار انه حدث عرضيا (قضاء وقدرا!) بسبب حريق شب في احد العنابر وامتد الى العنبر 12 – مخرن نترات الامونيوم...! وتسبب في الانفجار الكبير ... هنا لا اريد التطرق بالتفصيل الى ان المعروف عن استخدام بلورات نترات الامونيوم كمادة متفجرة تستوجب استخدام صاعق ومفجر لاحداث التفجير وهذا الاجراء هو المعمول به عادة في تفجيرالمقالع وفتح الطرق وغيرها من الامور. ولا بأس من القول ان الأنفجار نجم عن الحريق وحرارة لهيبه، لكن كيف نشب هذا الحريق وما هي اسباب اندلاعه وكيف ومن اين امتد الى العنبر 12...؟

هل كان حريقا مفتعلا بفعل فاعل وبالحجم الذي لا يمكن السيطرة عليه في مرفأ دولي كبير كمرفأ بيروت الذي يعد واحدا من اهم عشرة مرافيء في حوض البحر الابيض المتوسط، يفترض ان يتواجد فيه وضمن ادارة مرافقه دائرة وفريق اطفاء بكامل تجهيزاته وعلى اهبة الاستعداد لمواجهة اي طاريء في كل لحظة وبحجم وامكانات يتناسبان مع سعة الميناء ومساحته...!

حكاية الحريق هذه غامضة ومبهمة، ومثل هذه الحرائق (حرائق المخازن) تثير دائما الشكوك والتساؤلات من قبيل (ماذا يفعل سارق المخزن خصوصا اذا كان هو حامل مفاتيحها لإخفاء سرقته؟ بالطبع يشعل فيها النيران ... هذه قاعدة معروفة لدى اغلب المحققين في قضايا حرائق المخازن).

وربطا بموضوع الحريق والانفجار وكحقيقة ذات صلة بالموضوع اعلنت (الاستخبارات الروسية) في تصريح رسمي يستند الى تأكيدات من خبراء في المواد المتفجرة وقدراتها التدميرية، ان الكمية المتفجرة من مادة نترات الآمونيوم ليست ( 2.750) طن حسبما يذكر، بل هي أقل من ذلك بكثير، وتؤكد الوكالة وفق تقدير خبرائها ان الكمية المتفجرة لو كانت (2.750) طنا لكانت تدمر كامل مدينة بيروت وضواحيها، واضافت الوكالة ان الكمية التي خزنت في البداية (سنة 2013) كانت بالفعل (2.750) طنا، لكن الظاهر ان كميات كبيرة من المخزون سرقت وحولت او بيعت لجهات اخرى وعلى الآغلب لاستخدامها كمتفجرات او وقود صواريخ قصيرة او متوسطة المدى ... وهنا ارى ضرورة في الاشارة الى ان مادة نترات الآمومنيوم كانت العنصر الاساسي في صناعة ما عرف بـ (البراميل المتفجرة) التي كان النظام السوري يسقطها من مروحيات الجيش السوري على الاهالي في البلدات والقرى الخارجة عن سيطرة النظام.

ان رفض اي طرف لاجراء تحقيق دولي بمشاركة عناصر لبنانية نظيفة في اسباب المأساة إن دل على شيء فهو يدل على خوف هذه الاطراف ان تكون واحدة من تداعيات هذا التحقيق انكشاف الكثير من الحقائق والآدلة على تورطهم في الكثير من قضايا الفساد التي ادت الى ما آل اليه الحال اللبناني، ويمكن القول وبإصرار ان الانفجار الكارثي لمرفأ بيروت ليس الا واحدة من نتائج هذا الفساد السياسي والاداري المزمن الذي ينخر بلا رحمة في كيان المجتمع اللبناني...

نعم، ان موقف الرافضون للتحقيق الدولي يأتي وبكل تأكيد من رعبهم من انفضاح ماتبقى مستورا من سيرتهم السياسية المخزية، ورفضهم هذا يذكر المرء بالمثل الشعبي القائل:
(لا تصير حرامي، لا تخاف من القاضي)