|
الكتابة عن قضية الأسرى الفلسطينيين في زنازين الفاشية الصهيونية، تشبه تلقي
اللكمات على المعدة. ما إنْ تبدأ بهذا العمل الشاق، حتى يعتصرك الألم. ثم لا تجد
بديلًا عن الاستمرار حين تستحضر صمود هؤلاء الشامخين في وجه الغطرسة الصهيونية.
تكتب وكأنك تلوك لحمك. حين يضيق الكلام، تبحث الحروف عن وجع يشبهها، يدوّن سفر
النوارس، ويجمع مفردات الوطن على الورق.
رجال يبحثون في رثاء الصمت والخذلان، عن كوة ترمم أجنحة الحرية. يغسلون زمنهم بماء
التحدي، الشهداء الأحياء. وحدهم يزدهرون بوردة الأمل على قاب نصر. هم وجع الخاصرة
والقلب، هم الأحرار في المعتقلات، ونحن الأسرى خارج السجون.
عميد الأسرى ماهر يونس
بعد اعتقال ابن عمه كريم يونس بأسبوعين، قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي باعتقال
ماهر يونس بتاريخ 18 كانون الثاني/يناير عام 1983، بتهمة قتل جندي إسرائيلي. وأصدرت
المحاكم الإسرائيلية حكما بالإعدام شنقًا على ماهر، برفقة كلًا من كريم وسامي يونس،
بتهمة "الخيانة"، حيث إنهم يحملون الهوية الإسرائيلية الزرقاء ويعتبرهم الاحتلال
مواطنين إسرائيليين، ثم صدر بعد شهر من الحكم، تعديلًا يفيد بتخفيفه من حكم الإعدام
إلى السجن المؤبد. وفي أيلول/سبتمبر من عام 2012، قامت السلطات الإسرائيلية بتحديد
حكم المؤبد بأنه سجن لمدة 40 عامًا.
الأسير ماهر يونس الذي يبلغ من العمر 63 عامًا أمضى للآن ما يقرب من 39 عامًا في
زنازين الفاشيين الصهاينة، وبهذا يكون ثاني أقدم أسير في العالم، بعد مانديلا
فلسطين "نائل البرغوثي".
جرى اعتقال ماهر يونس وهو شاب بعمر 23 عامًا قبل أن يتزوج، وبهذا يكون قد أمضى أجمل
سنوات حياته في المعتقل، دون أن يؤسس عائلة.
ويونس محروم حتى من رؤية أبناء أشقائه بقرار من المحكمة المركزية الإسرائيلية في
مدينة الناصرة، التي رفضت أيضًا التماس سابق كان قد تقدم به يونس لرؤية والده وهو
على فراش الموت، ليتوفى دون أن يراه أو يقوم بوداعه بعد سنوات من الانقطاع.
سبق وأنْ خاض الأسير يونس إضرابًا عن الطعام لمدة 10 أيام، في 25 شباط/فبراير عام
2013، لتسليط الضوء على معاناة الأسرى في السجون الإسرائيلية، خصوصا أسرى الداخل
الفلسطيني، الذين يُحرمون من صفقات التبادل.
ماهر يونس الأسير الطاهر الشامخ خلف القضبان، الحر الوفي، أسد المرابطين في زنازين
الفاشية الصهيونية، الصابر على التنكيل والتعذيب، اعتقل شابًا بعمر الزهور، ذاب
عمره لكنه رفض الانكسار، وأصر على تسديد فاتورة العز والإباء لأجل فلسطين بكل طيبة
خاطر. ماهر يونس هو ورفاقه الأسرى سوف يظلون خناجرَ مغروسة في خاصرة سلطات الاحتلال
الإسرائيلي.
أستمد القوة منه
بعزيمة لا تلين، ومنذ 38 عامًا تقوم والدة الأسير ماهر يونس بزيارته كلما سمحت لها
سلطات الاحتلال.
تقول: "في يوم الزيارة، كنت أخرج فجرًا وأتوجه إلى سجن نفحة، قبل أنْ يجري نقل ماهر
إلى سجن النقب، وأعود للمنزل ليلًا". هذه الرحلة الشاقة تستغرق من الوالدة ساعات
طويلة وهي على كرسيها المتحرك، ورغم ذلك لم تفوت فرصة واحدة لزيارته.
وبعد أن نقلت سلطات الاحتلال الإسرائيلية ماهر إلى سجن النقب الصحراوي، أصبحت
الزيارة بالنسبة للوالدة الثمانينية رحلة عذاب، إلا أنها تقاوم مرضها بإصرار وإرادة
وقوة تستمدها من ماهر كما تقول.
ومن منزلها ببلدة عارة في الداخل الفلسطيني، تقضي والدة الأسير ماهر يونس، الحاجة
أم نادر، أوقاتها في متابعة أخبار المعتقلين والأسرى، تقيم صلاتها وتتضرع لرب
العالمين أن يحمي كافة الأسرى والأسيرات، ويمنحهم الصبر والعزيمة للتغلب على
السجان. وتنتظر يوم إطلاق سراح ماهر وجميع الأسرى.
تقول منذ اعتقال ماهر عام 1983 ولم يظل سجن إلا ووقفت على أبوابه الحديدية، وذاقت
كل صنوف الألم والقهر والحصار من أجل زيارة ابنها.
ما زالت أم نادر تنتظر عودة ماهر لأحضانها، ليغمرها الفرح بعد أن نالت منها المرض،
وأقعدها فوق كرسي متحرك، ومنعتها من زيارة ماهر منذ عامين. تضيف الوالدة "حياتي ليس
لها معنى دون رؤية ماهر، وما زلت أسيرة معه، حتى يتحطم قيد السجن ونجتمع دون قضبان
وسجان".
الأسرى القدامى
يعرف في قاموس الحركة الأسيرة الفلسطينية أنَّ الأسرى القدامى هم المسجونون في
الفترة التي سبقت توقيع اتفاقية أوسلو التي أنتجت قيام السلطة الفلسطينية. كان
الاتفاق بين السلطة وإسرائيل على إطلاق جميع الأسرى القدامى دفعة واحدة، لكن
السلطات الإسرائيلية أصرت على أطلاق سراحهم على أربع دفعات، أطلقت ثلاث دفعات
وامتنعت عن إطلاق آخر دفعة من الأسرى وعددهم 30 أسيرًا، نصفهم من مناطق الداخل
الفلسطيني. حيث كان من المفترض إطلاق سراحهم في عام 2013.
وهم كريم يونس، وماهر يونس، وإبراهيم ورشدي أبو مخ، ووليد دقة، وإبراهيم بيادسة،
وأحمد أبو جابر، وبشير الخطيب، وإبراهيم اغبارية، ومحمد اغبارية، ويحيى اغبارية،
ومحمد جبارين.
وللأسرى القدامى حكايات وجع لا يبارح. معظمهم أمضى أكثر من 30 عامًا في المعتقلات.
وجلهم أمضوا من عمرهم في السّجن أكثر ممّا أمضوا خارجه. ومنهم من ترك أطفاله صغارًا
ومنهم من كبر أبناؤه وتزوّجوا وأصبح جدًا دون أن يرى أيًّا منهم، ومن الأسرى من فقد
أحد والديه أو كلاهما دون أن يلقي نظرة الوداع. ومنهم من نسي ملامح أصدقائه وجيرانه
وأقربائه ومنهم من حُرم من زيارة الأهل.
داخل السّجون نحلت أجسادهم في ظلّ الظّروف القاسية والمعاملة غير الإنسانية
والاستفزازات من جانب السجان، والقيام بحملات التفتيش والازعاج الليلية، وعزل
الأسرى في الزنازين الانفرادية.
هم رجال عاهدوا الله والوطن، ونذروا أرواحهم وأعمارهم رخيصة للوطن الغالي وقضيته
المقدسة. هم مفخرة الشرف وإيوان المجد.
أنتم الأحرار
ماهر يونس، عميد الأسرى، أي كلمات يمكن لها أن تفيك حقك ورفاقك الأسرى، وأي مقالة
تستطيع وصف تضحياتكم. ملح الأرض أنتم، عنوانًا للعز والشرف والرجولة، وسوف تظل
سيرتكم النضالية قناديل هدىً لمعاني الحرية والعطاء، ومشاعل حق لدرب النصر
والاستفلال، ونشيدًا فلسطينيا مكللًا برائحة الأرض.
رجال عظام بهمم عالية، تنحني لهم القامات، الصامدين الصابرين في زنازين النسيان
وظلم السجان.
أنتم شامة على جبين فلسطين، وعنوانًا واضحًا لكرامتنا، بوابة الانعتاق من الاحتلال
وتحقيق حلم بناء الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. أنتم الأحرار في
المعتقلات، ونحن الأسرى خارج السجون.
مهما كتبنا وقلنا لن نفيكم ما تستحقون أيها الأبطال، إننا نسمو بكم، ومنكم نستمد
العزيمة والأمل.
ماهر يونس، الأسير الصامد الأبي المتواضع، لا يعرف المستحيل، ثابت على المبادئ
والحق، لا تهز إيمانه الصعوبات وسنوات السجن. رفض الاحتلال وأعلنها صرخة في وجه
الجلادين المستعمرين، وحطم قيود السجان بشموخه وثقته بعدالة قضيته. لا يقبل بغير
النصر موعدًا للحرية.
الشهداء الأحياء
إن حكايات 7000 أسير فلسطيني في السجون الإسرائيلية، مؤلمة وقصصهم مؤثرة، ومعاناتهم
مع السجن مضاعفة، وصمودهم خلف القضبان مفخرة لنا. يواجهون سلطات فاشية غاشمة، إلا
أنها فشلت في كسر إرادتهم، والنيل من عزيمتهم.
في العام الماضي ظل الأسير الفلسطيني وليد دقة ينادي لمدة أربعين دقيقة من خلف
الزجاج العازل على والدته التي زارته في السجن دون جدوى، ثم حاول أن يتحدث معها عبر
سماعة الهاتف لكنها ظلت صامتة. هذا حدث بعد انقطاع الوالدة عن الزيارة لمدة دامت
ستة أعوام، فقد أصيبت الأم بمرض الزهايمر. ظل وليد ينادي والدته وهو يبكي، وهي تقف
أمام الزجاج وتتساءل لماذا يقول لي الجميع هذا ابنك... أنا لا أعرفه.
الأسيرة المحررة أحلام التميمي الذي أصيب والدها أيضًا بمرض الزهايمر، ولم يتعرف
عليها، تُبكيك دومًا إن استمعت لها وهي تسرد حكايتها. تقول إنها لم تشعر بالحرية
بعد إطلاق سراحها لأن الحرية بمفهومها هي الذكريات مع الأب والأم. تضيف أنه خلال
مناقشتها لرسالة الماجستير تذكرها والدها لمدة ثانيتين وناداها باسم التحبب الذي
كان يطلقه عليها في صغرها، تقول حينها شعرت أنني حرة.
إن تضحية الأسرى من أعظم وأنبل التضحيات، فهم الذين يضحون بحريتهم لأجل حرية شعبهم
ووطنهم. لذلك هم الوجع في قلوب الشعب الفلسطيني، الذي يبادلهم الحب بالحب والوفاء
بالوفاء، ويستمد من صمودهم العزيمة والقوة.
الحرية والإفراج العاجل عن ماهر يونس، وجميع الأسرى، وجلاء الاحتلال عن أرضنا،
وتحقيق الحلم الوطني بالحرية والاستقلال. وتحرر أرضنا من الاحتلال والعدوان.
الحرية للأسرى الأحياء منهم والشهداء. حيث ما زالت إسرائيل تحتجز جثامين 253 شهيد
وشهيدة في مقابر الأرقام. و28 شهيدًا محتجزًا في الثلاجات، إضافة إلى 58 شهيدًا
مفقودًا.
إلى متى ستبقى صرخات أمهات وذوي الأسرى بلا صدى؟ وإلى متى يبقى أنين وعذابات
ومعاناة الأسرى غير مسموعة؟ وإلى متى يظل العالم صامتًا عن جرائم إسرائيل؟
لك المجد أيها الشامخ ماهر يونس. المجد لجميع الأسرى الفلسطينيين في السجون
الصهيونية. السلام والتحية لأهلك ورفاقك وكل محبيك
التحية والسلام والحرية لك عميد الأسرى ماهر يونس، والخزي والعار للطغاة الفاشيين.
|
|
| لطفا إشترك في الصفحات التالية |