المقال



حمّل النسخة الورقية


إعلاميات (2)

 

 

(1)

لا حيادَ في عالم التصريح الإعلامي أوان الأزمات، ومهما حاول الشخص أو الجهة صاحبة التصريح إظهار التوازن والشفافية والموضوعية فيه، فلا بد من وجود أطرافٍ تتحسّس مما ورد في طيّات ذلك المنتج الإعلامي؛ كما أنَّ الحياد يغدو انحيازًا شبه مؤكد لمجرد إصداره؛ فيما يبقى اللاتصريح هو الحياد الناصع رغم غيابه.

(2)

أَبْلَهُ المواقف الإعلامية هي تلك التي لا تُتّخذ بناءً على الحاجة الماسة لإشهارها، إنما تكون هواجس المحاكاة غالبًا أو هوس مزاحمة الغير فيما يقومون به وراء شوق إصدارها.

(3)

الإعلام صدى للأفعال، ومَن لا شيء لديه غير الاحتفاء بتصريحٍ أو الإنطراب بنبأٍ يتحدث عنه، هو ليس أكثر من محتفٍ بالصدى.
وهل سمعتم بأن الصدى بنى ولو مجرد كوخٍ من القشِ في أعالي الجبال أو في عمق البراري؟

(4)

الإستبانة أصلها بيانٌ جاء لإعلام جهةٍ ما، داخلية أو خارجية، صديقة أو معادية، قريبة أو بعيدة، قوية أو ضعيفة، صغيرة أو كبيرة؛ بأن ما صُدر بخصوصهم التوضيحُ يُشغلون مساحةً لا بأس بها من التفكير لدى صاحب التصريح، وذلك سواءً أكان الذي حرّض على الإصدار مكروهٌ أم محب.

من أهم ركائز البيان الحالي الصادر عنك، هو أنْ لا يُناهض بيانك السابق، وأنْ لا ينسف قواعد البيان الذي سبقه، وإنْ فعل فهو بابٌ للإمساك بمخانقك؛ هذا إنْ كنتَ مقتنعًا بالبيان أصلًا، ولم تصدره إلاَّ بناءً على إملاءات أو أوامر الجهات الممسكة بلحيتك.

على كل حال فالبيانُ إنْ لم تكن الغاية منه تسجيل موقف
وإنْ لم يكن من أجل التبرؤ من مجرياتٍ وقعت في زمانٍ أو مكانٍ معين
وإنْ لم يكن بهدف تمرير المآخذ
وإنْ لم يكن فرصة لشن الغارات القولية على الخصوم عوضًا عن الفعل
وإنْ لم يكن بغرض الطعن بجهة ما أو التودّد إلى جهة أخرى
وإنْ لم يكن من أجل التشكي ونيل الاستعطاف
وإنْ لم يكن فيه نفحة من آيات الشكر والعرفان
وإنْ لم يكن محتوى عزائه الساخن يثلج صدر المقهور
وإنْ لم يكن قد بُنيَ بمدماك الاستنكار وطوب التنديد

فما الحاجة إذنٍ إلى اتّضاحٍ لا يوضِّح أغراضك ومراميك، وما تسعى إليه من وراء رميه في ميدان جمهورٍ لا ينظر إليه إلاّ كما ينظر الخمول الجالس في الحديقةِ، الذي بكامل الكسل يرنو إلى وريقةٍ انتهت صلاحيتها الوجودية بالنسبة للناظر والشجرة.

(5)

في ما يخص الإعلام الكردي، ثمة حيرة تتملك متابع إحدى القنوات المشهورة بين الكرد والعاملة في إقليم كردستان العراق، التي كل فترة تدعو يساري عتيق للإدلاء بآرائه السياسية حول ما يجري في الجزيرة السورية، بلغةٍ تستدعي الهزل في فقرةٍ من المفترض أنها جدية، ولا يعلم المتلقي هل الهدف من استضافة الشخص نفسه كل فترة من الزمن، أهو من أجل الاستخفاف به؟ أم أنه بغرض الاستهزاء باللغة التي يتحدث بها الرفيق الذي لم يجد الوقت بعدُ لتحسين لغته الخطابية، بسبب انهماكه وبحثه الدائم منذ عقود عن خفايا وأسباب انهيار العمارة السوسيولزمية في أزقة موسكو.