|
الصلاة اليومية إلى روح الكون
سلام عليك أيتها الروح السارية في وجودي، أيتها النار الأبدية التي تتوقد في صدري، فتحميه من برد النسيان، سلام عيك أيتها الحروف العاليات، فأنا سيد الحروف، وفي الحروف نبوتي، والنجوم من جندي، والماء مملكتي، ولي في الأرض ذخائر تخرجها الشمس للمدقعين، وسلاحي لا يغمد، ألا تسمعون جلجلته مع صلاة الفجر؟ غدًا يظهر لي المسيح في سحابة النور المثقلة بالمطر الكوني، فأجمع حولي فقراء الأرض وأسلمهم السلاح ليدخلوا به ملكوت النار، ثم يخرجون منها، وقد فاضت لهم كنوز الدنيا، فيوزعونها، ولا يملكونها، لأنهم ملوك الحرمان، ومن الحرمان تزهر حقولهم وتزدهر بساتينهم، فلا ينغصهم فقر ولا غنى، وأعطيهم ما تمناه لهم بلبل الأرواح، فيشبعون بعد جوع، ويكتسون بعد العري، ويعزون بعد الذل، وتعود للأرض ظلالها وحروفها.
هادي العلوي البغدادي
لا شيء يحمل إلينا المواساة إلا أننا لن ننساه مدى الحياة لأنه صرخة مستديمة في وجه
الظلم والعبودية. فهو الذي كان "يجلو ضباب الحروف، ويمنحها قوة الروح، وسلطة
الضمير" على حدِّ تعبير وليفه ورفيق دربه الشاعر والخطاط المُبدع محمد سعيد الصكار.
ونواسي أنفسنا بأنَّ الحظَّ حالفنا لنعيش معه ونعرفه ونحبه ونتعلَّم منه ونحني
رؤوسنا نحن والكثيرون من أهل هذا العصر أمام إنسانيته الجبَّارة المقاتلة، وبأنَّ
الكثير من الخلق سيولدون ويفتخرون به.
ها قد جاء خريف جديد ليذكرني بانفلات قدم هادي العلوي البغدادي من ركاب الحياة التي
أعطاها أكثر مما أخذ منها، لأنه صوفي النزعة والسلوك. انطلق الحصان دون فارسه يجول
في سهوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية متلمِّسًا بين الخلق مشاعية قادمة. عاش
سنوات عمره الأخيرة -بعد تشرُّد طويل- في ضاحية "دُمَّر" السكنية في مدينة دمشق
العاصمة السورية. وعلى باب بيته تطالعك عبارة تقول: مُرتقى الحضارتين. دُفن في
مقبرة "الست زينب" من ضواحي دمشق.
أحيانًا أفاجئ نفسي وأنا أفكِّر على النحو التالي: هرب هادي العلوي البغدادي من
الشهرة، بل كان يمقتها ويصنِّفها من خساسات المثقفين. ولكنه وصل إلينا بعلمه وفضله،
أحببناه وتلهفنا لقراءة أي بحث يكتبه، لأنه كان باحثًا من الطراز الرفيع. فرحنا به
عندما جاء إلينا في معرة النعمان كي يجاور ويحاور فيلسوف معرة النعمان، أحمد بن عبد
الله بن سليمان التنوخي، المُكنى بأبي العلاء المعري، ويأنس به، ويكتب عنه دراسة،
لعلها من أجرأ ما كُتب فيلسوف معرة النعمان على مرِّ العصور. صدرت في كتاب تحت
عنوان "المنتخب من اللزوميات نقد الدولة والدين والناس". إنَّ جهل الإنسان لهذا
المفكر والباحث الجليل لا يغتفر إذا كان لديه أدنى اهتمام بعلم اللغة والفلسفة
والتاريخ والتراث الإسلامي والصيني.
ولد في بغداد سنة 1932وتوفي في دمشق خريف عام 1998. نشأ في كرادة مريم، وهي ضاحية
ريفية من ضواحي بغداد يصدق على أهلها وصف فريدريك إنجلز: فلاحون مستقرون لكنهم في
حالة انحطاط. والده عامل بناء أمي، وجده السيد سلمان فقيه لم يدركه، فقد مات وعمر
هادي خمس سنوات. ولما بلغ الرابعة عشرة من عمره وبدأ يميل إلى القراءة عثر على
بقايا مكتبة الجد التي أهملها أولاده الأميون، ومنها نهل علومه الأولى. حفظ القرآن
ونهج البلاغة. ولما مضى في قراءة مصادر الفقه والتفسير والتاريخ تبين له حقيقة
أولية هي التي كانت نقطة الانتقال، وهي أنَّ التاريخ الإسلامي ليس من عمل السماء بل
من عمل البشر. أنهى دراسته الثانوية سنة 1950 وتخرج من كلية التجارة والاقتصاد
بتفوق، وزاغ عن مصافحة جلالته حين وزع الشهادات على المتفوقين، لأنه اعتقد بأن
جزءًا غير يسير من مأساة الشعب العراقي سواء في جانبها الوطني أو الاقتصادي تعود
إلى تخاذل الأسرة المالكة وخضوعها لإرادة الأجنبي.
من منجزات هادي العلوي البغدادي الكبرى إعادة اكتشاف الفلسفة الصينية وشرحها. أودعَ
خلاصة ما عرفه عن أهل الصين في كتابه "المستطرف الصيني" الذي ألفه في بكين سنة 1992
والتي رحل إليها من بغداد سنة 1976 بمعونة صديقه الشيخ جلال الحنفي البغدادي، الذي
كان يدرس اللغة العربية في جامعة بكين، فأخبره أنَّ الصينيين طلبوا منه أن يرشح لهم
من يحل محله ممن يرضى خلقه ودينه، فاختار هادي العلوي البغدادي.
كتاب "المستطرف الصيني" من نفس طراز "المستطرف الجديد" الذي تضمن الخلاصة مما عرفه
وحفظه من التراث الإسلامي، والذي أرد منه مزاحمة حسين مروة -رائده الأكبر- في
سيرورة إنهاض تحتاجها أمة غافلة بتنبيهها إلى إرثها الحضاري، الذي كان سيعصمها من
الذلل لو لم تنقطع عنه. وفي "المستطرف الصيني" أراد من العرب أن يعرفوا من ثقافة
الشرق ما يعادل معرفتهم بثقافة الغرب محدوًا بالأمل في أنهم سيعيدون اكتشاف أنفسهم
ليس فقط من خلال تراثهم، بل وأيضًا من خلال الثقافة الشرقية التي هي من نسيجهم
نفسه. وليس في الكتاب ما يستهدف خدمة الصين لأنها أنعمت عليه بالأمن والحياة بعد
أنْ تعذر في وطنه العربي الكبير.
سيجد القراء أنَّ أوسع أبواب كتاب "المستطرف الصيني" هو باب الفلسفة لأنَّ هادي وجد
فيها حياة الحكمة الشرقية التي يتمناها بعض المنورين في الغرب وتستعصي عليهم.
وقراؤنا في حاجة إلى باب الرحمة والحنان البشري مع حق الدفاع عن النفس في وجه
الثروة والقوة بعدما عانوا مما يزيد عن الكفاية من قهر الحكام وتسلط الأقوياء،
والحكمة الصينية هي ما يؤلف مع فكر التصوف القطباني في الإسلام فرعين متكاملين للحس
الإنساني يستريح إليهما المتعوب، فيما يجهدان به كلًا بوسائله الخاصة لرعرعة شخصية
إنسانية حرة بازدراء ما يتمتع به الأقوياء وحكامهم من وسائل التسلط. وهما في ذلك
مسكونان بالهاجس البشري القديم، هاجس إخراج الناس من ورطات الذل والفقر وتمليكهم ما
يستغنون به عن التعب والكد، مما لا يتم دون إخراج الذهب من قصور الأباطرة إلى بيوت
الناس.
درس هادي العلوي البغدادي التراث الإسلامي بعمق، وساح في كل أطرافه مكانًا وزمانًا،
دخل التراث عن طريق الدين، فقد قرأه بحكم نزعته المتدينة في صباه والموروثة عن جده
السيد سلمان. وكان قد وقع بين يديه كتاب اللبناني جورج حنا، والمعنون "ضجة في صف
الفلسفة" فاستأنس به كثيرًا، وهو كتاب بسيط يعكس شفافية جورج حنا وأسلوبه الظريف
الطليق. وهذا يعني أنه انتقل إلى الماركسية من خلال التراث نفسه. ولم يتخلَ عن
التراث لأنه صار ماركسيًا، كما يفعل كثيرون عندما ينتقلون من حالة التدين أو
الاعتقاد فينبذون كل شيء وراءهم، ليتأدبوا بطريقة أحادية، لأن دراستهم السابقة
للتراث إيمانية وليست شكية. والدراسة الإيمانية لأي مذهب تمكن من الانتقال الفجائي
والقاطع إلى المذهب الآخر. إنَّ الطريقة المثلى للتطور الفكري عند الإنسان كما
اكتشفها هادي العلوي البغدادي بتجربته الشخصية ومن قراءته لتجارب مفكري الإسلام في
عصورهم الذهبية هي أنْ يكون تداخليًا وليس ارتداديًا، وذلك حين ينطلق من نقد
المقروء بالاستناد إلى معرفة فلسفية.
نَشَرَ مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي كتاب المفكر العراقي
هادي العلوي البغدادي "مدارات صوفية" عام 1997 ضمَّ الكتاب شراذم من التراث الفكري
لأهل الثورات المشاعية في الشرق. والكتاب من أخطر ما ألف هذا الباحث المجاهد قبل
رحيله عن الدُّنيا وأهلها. يقول في تقديم كتابه المذكور أعلاه: جاء في مجمله لتعزيز
الوجدان الشيوعي عند أجيالنا الجديدة لمساعدتهم في الخروج من حجاب العقيدة إلى فضاء
الوجدان، ولزعزعة المألوفات التي تعلموها من الثقافة المترجمة. فلكي يكون الإنسان
شيوعيًا يجب أن يكون له قلب شيوعي لا مجرد فكر شيوعي. بل إنَّ الشيوعية لا صلة لها
بالفكر بل هي ليست من الثقافة في شيء بل إنَّ أسوأ غرارات الشيوعيين هم المثقفون.
أغلب الظن أنَّ الذي مكَّنه من السير في درب الماركسية هو تأثيرات وضعه الطبقي في
العائلة، لأنه عاش الفقر والجوع مع والدته مما غرس في وعيه المبكر كرهًا لدولة
الأغنياء. ومما زاد الطين بلَّة اكتشافه أنَّ الإسلام يبيح التملك الخاص ويسمح
بتقسيم الناس إلى مالك ومحروم وخادم ومخدوم. ترافق ذلك مع استمراره في القراءة
واكتشافه المزيد من النقاط الحساسة التي صدمت وعيه الطبقي ونزعة الشك والبحث عنده
وعدم خضوعه للجو السائد، وهذه حقيقة زاملته منذ الصغر. كل ذلك رفده كي ينتقل إلى
صفوف الماركسيين.
في أوائل الخمسينيات اكتشف جريدة الأهالي لصاحبها المناضل الوطني كامل الجادرجي
فصارت جريدته المفضلة. في نفس الفترة الزمنية تعرف إلى علي الشوك، أملأ مثقف عراقي
وأحد أميز المثقفين في العالم العربي. توطدت معه علاقة متأخرة في الزمن لكنها أضافت
الكثير إلى مخزونه المعرفي. والأهم في هذه العلاقة أنها ساعدته على التخلص من عناصر
تخلف حضاري حملها معه من بيئته البائسة المتحلِّلة حضاريًا، كان علي الشوك مصدر
تأهيل للوعي والسلوك الحضاري واسترفاده. وفي ذات مرة مالحه صديقه الراحل يوسف عبد
القادر فقال: أنت يا هادي رحمك الله إذ أخرجك من الكرادة الشرقية، ولولا ذلك لكان
طول عمامتك ذراعين ولحيتك ذراعًا.
هادي العلوي البغدادي
يُناجي الحسين بن منصور الحلاج بلا فواصل أو نقاط
يا حسين بن منصور لا صمت لمن تأخذه يداك لا انقطاع لمن حملته النجوم إليك لا انطفاء لمن يشتعل بنارك الأبدية أيها الباحث عن المستقر بكل أرض لو استعبدتك المطامع لما قتلوك لكنه كيد التنين وغفلة من ينادمه في عز الصيف فخذ مني العهد أنْ لا أنادمه وأنْ أرفض الشرب من كأسه ما دمت مترعًا بكأسك وأنْ لا أقر بالواسطة بعد أنْ علمتني أنّ الحق لا يؤخذ من غير الحق ولن يكون دليلي بشرًا يأكل الناس من يديه وقد خرجت من شرط الإيمان إلى شرط العلم ثم تخلصت منه إلى شرط المعرفة فشربت من أسرار الوجود ما أغرقني في بحار الاستغراق ولما غرقت في البحر لقيت الذين سبقوني إلى قراره فأخذوا بيدي إلى مقام الصعود وقالوا المالك للشيء مملوك له ومن أراد الحرية فليخرج من ملكوت الرغبة وبيوت الأغنياء لا تصح فيها الصلاة ومن استمع إليهم لم تدخل الحكمة إلى قلبه قلت لهم أجوع مع الجائعين فذلك هو شرط المعرفة وألتحف بالمنافي، فذلك هو شرط الحرية وإذا رضي عني الحسين بن منصور فليغضب عليَّ كل سلاطين العالم.
قصيدة على عتبة المؤتمر
هذه القصيدة نشرها هادي العلوي البغدادي أول مرة في مجلة "الحريَّة" في بيروت يوم
3/11/1991
"اعز مكان في الدنى سرج سابح "
المتنبي
متى ترفُ بأرض القدس يا علمُ
حليفُك الخنجرُ المسموم واللغَمُ
وسحرك العبوةُ الحمراء يحملها
في القادمين أُباة الضيم لا الغَنمُ
والسائرون على آثار مِدفَعِهم
حيث الصفوف على المتراس تنتظمُ
لا الحاملون إلى المجهول أمتعة
في جوفها ورقٌ من فوقه قلمُ
إنّا النزيرُ لأهل الأرضِ أن يَرثوا
أرضًا بعز الشظايا الحمرِ تضرمُ
وأن يعودوا إليها مثلما خرجوا
ويَهزِموا واغلًا من بعد ما هُزموا
وإن من يرتجي نَبْضَ الثرى فإلى
سلاحه، لا إلى الأعداء، يحتكمُ
ولا إلى حاكم في القصرِ مُنكسرٍ
ولا إلى قائدٍ بالسلم يعتصمُ
سر يا أسير إلى الدنيا بمَحْرَقَةٍ
لا السلمُ يُنجيكَ من أسرٍ ولا الأممُ
ومن ورائك آلافُ مؤلفة
طعامها النار والحرمان والقِيمُ
لم يُفسدوها بإغراءٍ كما فَسَدوا
ولم تَخُرْ مثلما خارت لهم هممُ
ولا تصدّقْ بشحّاذٍ فَقَدْ عَظُمَتْ
فيك الجنايةُ حتى استُرخِصَ القسمُ
ساحاتكُ الكوكب المعمورُ أجمعُهُ
لا صاحب القصر في مَنأى ولا الحشمُ
وما الشهامةُ في الاسم الذي صَنَعوا
بل الحسينيُّ عبدُالقادر الشَهمُ
إن كان للسائح الجوًال مَكرُمةُ
فشيخُ جَبْلةَ بركانُ له قِمَمُ
وليس مَن سيفُه البتّار من خشبٍ
كمَن عواصفُه في الجَوِّ تزدحمُ
عُدْ للسلاح ولا تقرأْ صحائفهُم
فقد تناثرت الاوراق والذممُ
فَجِّرْ فأنت على التفجير مقتدرٌ
واحذر مصائدَ ما حلّوا وما بَرَموا
تخافكَ الأرضُ أشباحًا مُفَخَّخةً
وتزدريكَ خطابًا سائبًا أُمَمُ
ويشتريكَ إذا ما بعْت مؤتمرٌ
ويصطفيكَ لمعنى العز مُقْتَحَمُ
ولا تعلَّق على "القانون" أمنية
إن السلاحَ وجودٌ والمُنى عَدَمُ
ومجلسُ الامن ليس الامنُ غايتَهُ
وما له في كتاب العدلِ مُرْتَسَمُ
وإن سألتَ الامينَ العام عن سببٍ
فالحق عند الامين العام منقسِمُ
وكم جنحتَ إلى سلمٍ فما جَنَحوا
وكم ندمتَ على شيء وما ندموا
سيُهْزَمُ الجمعُ مذعورًا إذا نَطَقتْ
لك المدافع وانحلّت بك الظُلَمُ
وليس للعم سامٍ ولا سما شَرَفٌ
وليس للسامريِّ العجل ما يسمُ
أولاء إن سَمِعوا ضادًا تَقَسَّمَهُمُ
رعبٌ, وزلَّت بهم في الحلبة القَدَمُ
وإنما يتداعى خَلفَهم ضَبعٌ
خَسّ المطالب راضٍ بالذي قَسَموا
وما حياةٌ سوى بالموت آمنةٌ
وما حقوق سوى بالقتل تحترمُ
خُطَّتْ على عتبات البائعين ولم
تَنْفُقْ بساحتك الامثالُ والحِكَمُ
وليس أحكمُ من لغمٍ تُفجِّره
وليس من نارٍ لها حِمَمُ
من كان يكذِبني ان الحياة مُنىً
فليس يكْذبني أن الحياة دمُ
ملاحظة من هادي العلوي البغدادي: الشطر الأول من المطلع هو الشطر الأول من مطلع قصيدة كتبها شاعر بغدادي أوائل الخمسينات. والبيت الأخير من قصيدة للرصافي.
|
|
| لطفا إشترك في الصفحات التالية |