|
الجدل في الفلسفة لا ينتهي حول لمن الغلبة في صناعة التاريخ، هل هي للفرد أو
للجماعة. هذا السؤال دائماً يحيرني ولا أستطيع الوصول إلى إجابة عليه حينما أستعرض
تاريخ القضية الفلسطينية والمنعطفات التي مرت بها، ووصولها إلى ما آلت إليه مؤخراً،
فمن قضية تمس الضمير العالمي، إلى قضية العرب الاولى بحق ثم لفظياً ... والان لم
تعد إلا قضية أصحاب الشأن وعدد من الدول لا يتجاوز عددها أصابع اليدين .
د. حيدر عبد الشافي ليس فقط قامة وطنية عملاقة وحسب بل تميز بصدقية ونزاهة عالية،
أضف إلى ذلك الوعي الكامل لظروف الصراع وبالتالي لم يفقد البوصلة أبداً ، كانت
مواقفه في المنعطفات المصيرية هي الأصح والأسلم .
ولن أعود كثيراً إلى الوراء منذ إنخراطه في مواجهة العدوان الثلاثي، ودوره في
المجلس التشريعي الأول في غزة أثناء الحكم المصري ودوره في تأسيس منظمة التحرير
الفلسطينية، وتأسيس الهلال الأحمر الفلسطيني ... ودوره في تعزيز صمود الكادحين في
وطنهم. سأعود فقط إلى بداية التسعينات وترؤس د. عبد الشافي الوفد الفلسطيني إلى
مباحثات السلام في مدريد ومن ثم واشنطن، وبعد أشهر من المفاوضات (وليس سنوات) رفض
د. عبد الشافي قطعياً إستمرار المفاوضات دون وقف الاستيطان لإدراكه الكامل بالخطة
الاسرائيلية القائمة على إبقاء التفاوض لأطول فترة ممكنة بينما الاحتلال يعزز وجوده
على الارض من خلال الاستيطان والتهويد ، حتى لا يجد الفلسطينيون ما يمكن التفاوض
عليه بعد كل هذه السنين كما حصل فعلاً لاحقاً. وقدم إستقالته في المرة الاولى من
رئاسة الوفد أمام إصرار الوفد الاسرائيلي عدم التعاطي مع موضوع الاستيطان وعاد عنها
بعد إلحاح قيادة م ت ف عليه، ثم ما لبث أن قدم إستقالته بعد شهر تقريباً حينما أعلن
عن إتفاقيات أوسلو، كون هذا الاتفاق كان أقل عملياً مما كان يتفاوض عليه في واشنطن
بإستثناء إعتراف إسرائيلي ب م ت ف، الأمر الذي إعتبره د. عبد الشافي تنازلاً خطيراً
سوف يؤدي إلى إفشال المشروع الوطني الفلسطيني وهو ما حصل بالفعل .
خاض انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني وحاز على أعلى الأصوات، ومرة أخرى قدم
إستقالته من المجلس التشريعي الفلسطيني بعد أن اتضح له أن هذا المجلس لا يحوز على
صلاحيات حقيقة تؤهله إلى إحداث تغيير جذري. مرة أخرى يتمكن د. عبد الشافي ببصيرته
السياسية الثاقبة من استباق الكارثة و التحذير منها.
الأمر المثير للإستغراب وربما يدعونا إلى دراسة أكثر عمقاً، أن الجماهير الفلسطينية
ورغم معرفتها بصدقية د. عبد الشافي لم تكن لتقدم الدعم الكافي له لإحداث تغيير، لا
أبالغ إن قلت بأنه قد لا يختلف فلسطينيان على هذه الشخصية ووطنيتها ونزاهتها، ولكن
في النهاية الشعب الفلسطيني خذل د. عبد الشافي ومعه كل أفكاره وآراؤه الصحيحة، التي
ربما وأقول ربما لو أخذنا بها لما وصلنا إلى ماوصلنا إليه.
قد أقول ببعض التطرف: هذا فرد خذلته جماعته مما أدى إلى عملية أشبه ما تكون
بالانتحار الذاتي والجماعي.
|
|
| لطفا إشترك في الصفحات التالية |