الأيديولوجيا وعي زائف

 

 

تعتبر الفلسفة من مصادر الماركسية الأساسية، وكان أوَّل ما قام ماركس بحسمه، لما أطلق صرخته "انتقاد بلا هوادة لكل ما هو كائن"، هي الفلسفة في كتابه "بؤس الفلسفة"، في علاقتها بالمجالات الطبيعية والاجتماعية، فانتقد برودون مؤسس الفوضوية في الحركة العمالية، واتخذ الصحافة مجالًا للصراع الأيديولوجي والسياسي، وتنظيم البروليتاريا أمميًا، بعد لقائه التاريخي مع رفيقة إنجلز بفرنسا، مهد التجارب الاشتراكية.

لقد عانى ماركس، نتيجة اختياراته الثورية، تداعيات الاغتراب، "كان مغتربًا" كما قال عنه لينين، في الانتقال بين ألمانيا، فرنسا وبلجيكا، نتيجة مطاردته من طرف الدول الرجعية، وأخيرًا أقام بإنكلترا، مهد الاقتصاد السياسي الكلاسيكي، "أكبر أمة برجوازية" كما قال عنها، باعتبارها مجالًا لممارسة اختياراته الثورية، التي وضع لها استراتيجية تنظيم البروليتاريا أمميًا.

كان مسار حياة ماركس شاقًا، وحتى الاجتماعية منها، من السرية بـ"عصبة الشيوعيين"، مرورًا بالأممية الأولى "جمعية الشغيلة العالمية"، وضع أسس تنظيم البروليتاريا أمميًا، هدفًا لاستراتيجيته الثورية، وكان رفيقه إنجلز سندًا عظيمًا له، في بناء مشروع تغيير العالم، كما قال في انتقاده للفلاسفة الكلاسيكيين، الذين "يفسرون العالم بينما يجب تغييره"، ولم تكن مرافقتهما أيديولوجية وسياسية فقط، بل كانت اجتماعية أكثر مما يمكن تصوره في تلك الشروط.

كان للبعد الفلسفي في عملهما المشترك، أثر كبير في صياغة أطروحاتهما الأيديولوجية والسياسية، قبل بلورتها تنظيميًا في أوساط البروليتاريا، فجلعا الفلسفة فوق السياسة والأيديولوجيا، مما ساهم في إنجاح معاركهما، ضد الأعداء والخصوم على السواء، في فترة قصيرة زمنيًا، تم فيها نشر الفكر الماركسي في أوساط البروليتاريا، وتأسست خلالها أحزاب اشتراكية.

وكان لبعدهما النظري في الطبيعة والمجتمع، من العلوم الطبيعية إلى علم الاجتماع، أدق ما ميز أعمالهما، مما أعطى للديالكتيك الماركسي، قوة هائلة في الجدل والممارسة، من الديالكتيك إلى البركسيس، في العلاقة الجدلية بينهما، التي أعطت للبعد التنظيمي الثوري قوة هائلة، مكنت رفيقه إنجلز، بعد موته، من تأسيس الأممية الثانية "اتحاد الأحزاب الاشتراكية"، البعد الأممي الذي كان هدفًا أساسيًا لماركس، في فلسفته لمفهوم التنظيم الثوري الأممي.

وكان عملهما الشاق والمضني، بعد نشر الفكر الماركسي في أوساط البروليتاريا، خمسة ملايين بروليتاري في الغرب والشرق، قد سام في انتقال الثورة من الغرب إلى الشرق، حيث البروليتاريا في الغرب، قد انتقلت من الأرستقراطية العمالية إلى التبرجز العمالي، كما جاء في انتقاد إنجلز للحركة العمالية بإنكلترا، وهكذا انحرفت الأحزاب الاشتراكية في الغرب نحو البرجوازية، من أجل خدمة المشروع الرأسمالي.

لقد شكلت العلوم الطبيعية، كما قال إنجلز "مواد غنية لمحك اختبار الديالكتيك"، مما فتح الباب أمام العلوم الاجتماعية، لبلورة مفهوم المادية على المجتمع البشري وتاريخه، فإذا كانت العلوم الطبيعية، بعد استقلالها عن الفلسفة، تشكل تاريخ تطور أعمال العلماء الطبيعيين، الذين طبعوا البشرية بمنجزاتهم، فإن الماركسية تشكل تاريخ تطور المعرفة البشرية، عبر تاريخ تطور مفهوم الديالكتيك منذ عصر اليونان، إلى عصر الرأسمال الصناعي، منذ ابتكار الأساليب البدائية للإنتاج، عبر تكنولوجيا استغلال الإنسان للطبيعة، وتطورها التاريخي بفضل تطور العلوم الطبيعة، إلى عصر المكننة، عصر ماركس وإنجلز.

كان لانتقال الثورة من الغرب إلى الشرق، دور كبير في بروز حامل مشعل الماركسية: لينين، الذي طوى صفحة معنى الإنجاز الفردي، في مجال المعرفة البشرية، إتمامًا لأعمال ماركس وإنجلز، على مستوى المعرفة الماركسية، باعتبارها أرقى مستويات الفلسفة المادية؛ فإذا كان إنشتاين قد طوى صفحة التألق في مجال العلوم الطبيعة، فإن لينين قد طوى تلك الصفحة في مجال الماركسية.

وإذا كان كل ما يقوم به العلماء الطبيعيين، ممن جاؤوا بعد إنشتاين، هو تثبيت نظريات العلوم الطبيعية، بشكل جماعي في مختبرات التجارب العلمية، فإن ما قام به، من جاء بعد لينين، هو تثبيت نظرية الماركسية، بشكل جماعي في مجالات العلوم الاجتماعية فلسفيًا، سياسيًا، تنظيميًا وأيديولوجيًا، حيث إن عصر الميكانيك قد طواه عصر الكوانتوم Quantum، وعصر المزاحمة قد طواه عصر الإمبريالية.

إنَّ معضلة الشيوعية، هي أنَّ الممارسة السياسية اليوم قد فصلت الماركسية عن الفلسفة، وحوَّلت من جديد الأيديولوجية إلى وعي زائف، كما قال عنها ماركس يومًا، مما يتطلب إعادة بناء النقد الفلسفي العلمي المادي للتاريخ من جديد.