إذا قبضت المال ثمنًا لنضالي
سوف أتحول من مناضل إلى مرتزق
مانديلا ورفحاء وسلوبي والأموال المنهوبة

 

 

بعد حرب الخليج الثانية والتي تحالفت فيها الولايات المتحدة الأمريكية مع أكثر من 32 دولة منها 8 دول عربية ضد العراق بعد إصرار رئيس النظام العراقي آنذاك صدام حسين بعدم الانسحاب من الكويت، اندلعت الشرارة الأولى لانتفاضة ضد النظام عندما صوب جندي مجهول فوهة دبابته إلى إحدى صور صدام حسين في ساحة سعد في البصرة وذلك في الثاني من آذار 1991، تبع ذلك انتفاضة اربعة عشر محافظة من أصل ثمانية عشر، فسميت بالانتفاضة الشعبانية في محافظات الجنوب، أما في الشمال فأُطلق عليها اسم الانتفاضة الوطنية، ولكن وحدات الحرس الجمهوري وبعض قيادات الجيش الموالية للنظام قامت بإخماد تلك الانتفاضة بشتى الطرق الفتاكة وأمام أنظار العالم المتحضر ومن ضمنهم أمريكا! واستُخدمت المروحيات بكثافة بعِلمٍ من قائد القوات الأمريكية "نورمان شوارزكوف" فتم اعتقال المئات وتصفية مئات آخرين، ليعود النظام أشد قسوة وفتكًا بالشعب العراقي.

بعد اجتياح الجيش للمدن وفشل الانتفاضة، بدأ الهروب من بطش السلطة، فتوجه أبناء الجنوب إلى السعودية، أمَّا أبناء الشمال فتوجهوا إلى تركيا، حيث تم انشاء مخيم رفحاء في السعودية ومخيم سلوبي في تركيا تحت رعاية مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والإشراف على إعادة توطين هؤلاء اللاجئين والبحث لهم عن أماكن تأويهم، ووفق إحصائيات المفوضية فإن مخيم رفحاء كان يضم أكثر من 30 ألف لاجئ منهم 25% أطفال لا تتجاوز أعمارهم 9 سنوات، وكان أغلب هؤلاء من الجنود الذين وقعوا في الأسر أثناء حرب عاصفة الصحراء وآخرين ممن ساهم في الانتفاضة الشعبية ضد النظام البائد، والبعض الآخر كانوا من الذين خرجوا من السجون والمعتقلات وأغلبهم من المتهمين بتهم جنائية، حيث يقول الكاتب طارق الحربي أحد نزلاء مخيم رفحاء في كتابه جمهورية رفحاء (بنى الشيوخ لهم مضايف من الخيام الكبيرة التي تسع العشرات، ظانين أنَّ بينهم وبين العيش الرغيد في إحدى المدن السعودية أيام معدودات، وإذا طال الأمر أكثر، فلن يزيد على بضعة اسابيع، وقد زودت قيادة المخيم تلك المضائف بدلال القهوة والفناجين وفرشتها بالسجاد) ويكتب في صفحة أُخرى من كتابه "في خضم الحياة القاسية في الصحراء، برزت فئة قليلة من أصحاب السكاكين والسيوف والقامات والقبضات والسيوف كما ذكرنا، وكان عدد من هؤلاء، يقضون أحكامًا جنائية متباينة في السجون العراقية، قبل غزو الكويت وبعد وتحريرها، ولما اندلعت الانتفاضة وخلعت أبواب السجون، حررهم المنتفضون من ضمن من حرروا من العراقيين" و "إن معظم هؤلاء قضوا فترات طويلة من حياتهم في السجون كما قلنا، وهم لم يتعلموا في المدارس، وكان طبعهم ميالًا إلى حمل السلاح وتوجس الحذر من الآخرين، فتربوا على ذلك منذ الصغر".

مأساة مخيم سلوبي في تركيا لا تقل بؤسًا عن مخيم رفحاء في السعودية، كما دخلت قوات الحرس الجمهوري إلى البصرة مدن الجنوب لتسحق الانتفاضة، هكذا دخلت قوات الجيش الى أربيل فجر 31 آذار 1991، حيث هامت الناس على وجهها هاربة مذعورة باتجاه حدود تركيا، كلاهما عاشا ظروف معيشية نفسية صعبة بانتظار التوطين من قبل الأمم المتحدة.

خرج العراق منكسرًا عسكريًا، مخترقًا امنيًا ومنهارًا اقتصاديًا، فجن جنون الطاغية واشتدت قبضته على أبناء الشعب العراقي وأصبحت الحياة في كافة المحافظات العراقية مخيمًا لا تقل مأساته عن الآخرين في الخوف الفزع والجوع والاعتقال والسجن.

بعد سقوط النظام صدر قانون بمنح كل لاجئ في مخيم رفحاء "فقط وليس سلوبي" سواء كان في الداخل أو في إحدى دول العالم مثل أمريكا وأستراليا والدول الأوربية ما يعادل 1000 دولار امريكي لرب العائلة شهريًا، ومثلها لكل فرد من أفراد العائلة، مع قطعة أرض وامتيازات أُخرى، والمبالغة في التعويضات والحصول على مكاسب مادية يعرفها القاصي والداني! وعلى الرغم من استنكار أغلبية الشعب العراقي لهذه الامتيازات، كما كانت أحد مطالب المتظاهرين بإلغائها في انتفاضة تشرين 2019 في ساحة التحرير وساحات المحافظات التي انتفضت ضد حكومة عادل عبدالمهدي والمطالبة باسترجاع المال المنهوب ومحاربة الفساد ومحاكمة الفاسدين في حكومات الجعفري المالكي والحيدري وعبد المهدي.

مؤخرًا، ظهرت مقاطع مصورة عبر مواقع التواصل الاجتماعي لبعض لاجئي مخيم رفحاء يهددون ويشتمون ويسبون لمن يطالب بإلغائها أو تعديل القانون، وما كتبه رئيس مجلس الوزراء الحالي مصطفى الكاظمي في تغريدة على تويتر: "لا تراجع عن إيقاف ازدواج الرواتب ومحتجزي رفحاء والفئات الأُخرى لتحقيق العدالة، وما أُثير عن تراجع الدولة لا صحة له والإصلاحات المالية والاقتصادية مستمرة، وماضون باجراءاتنا"، يعكس وجهة نظره وحكومته.

هذا ما قاله الكاظمي، ولكن سارع البرلماني حسن فدعم الجنابي ليقول: "لا يجوز لرئيس الوزراء أنْ يلغي قانونًا صدر عن البرلمان، وإلا ما الفائدة من تشريع القوانين؟" أمَّا رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي فأكدَّ في مقابلة تلفزيونية "على ضرورة عدم قطع رواتب هذه الفئة حتى لو اقتضى ذلك الاقتراض من الخارج".

هذا هو منطق الفاسدين في العراق، أوَّلهما يعتبر أنَّ القانون مقدس لا يمكن المساس به والثاني يقترض من الخارج! أمثال هؤلاء يحكمون العراق، فهل يستطيع الكاظمي أنْ يعمل لتحقيق العدالة، أم سوف يقوم قادة الأحزاب السياسية المهيمنة على الساحة السياسية منذ الاحتلال بإزاحته قريبًا!

ليس هناك إجابات على هؤلاء سوى ما نجده في قول مانديلا: "إذا قبضت المال ثمنًا لنضالي سوف أتحول من مناضل إلى مرتزق".