هوس الافتراء على
|
"وأما ما ينفع الناس فيمكث في الارض!"(قرآن كريم)
أتجنّب الانجرار كلما دق الكوز بالجرة وراء افتراءات واستفزازات ممجوجة تأتي خارج
أي سياق تاريخي حقيقي، لتشويه صورة الشيوعيين وتاريخهم وتراثهم النضالي الوطني الذي
راكموه في أدق الظروف، وتخوينهم كلما أحرجت مواقفهم التقدمية ومشاريعهم السياسية
الصدامية بعض القوى الرجعية.
والحقيقة أنني منذ أكثر من أربعة عقود لم أسمع افتراًء جديدًا واحدًا سوى ما يجتره
المفترون على مدار السنين بشكل دوري رتيب، منذ كنا نخوض نقاشاتنا في إطار الحركة
الطلابية العربية والتقدمية ونحن نؤسس لها في الجامعات الاسرائيلية منذ منتصف
سبعينات القرن الماضي.
نحن لا ننكر على أحد حقه في أن يقرأ التاريخ بشكل مغاير لقراءتنا، وفي أن يناقشنا
ويناقش تراثنا الفكري والسياسي، وأن يعترض علينا أو أن يوافق مع تحليلنا وقراءتنا
للتاريخ، يناقش مواقفنا ونناقش مواقفه، يناقش منطلقاتنا ونناقش منطلقاته، فنحن حركة
واثقة من تراثها تغتني من النقاش ومن الجدل ومقارعة الحجة بالحجة، ومن خوض الصراع
في هذه البلاد على مدار أكثر من مئة عام، في مواجهة لا تعرف الكلل مع الامبريالية
والصهيونية والرجعية العربية، راكمنا خلالها كمًّا هائلًا من التجربة الكفاحية
الثورية المعقدة والخيارات المركبة، لم تراكمها حركة سياسية أخرى في البلاد،
وقلَّما راكمت مثلها حركات شيوعية وتحررية في أماكن أخرى.
إنَّ اللجوء إلى مثل هذه الافتراءات يهدف بالأساس إلى إبعاد الأنظار عن الصراع
الفكري والسياسي والاجتماعي الحقيقي، الأطول والأعمق والأشد صدامية وصرامة في تاريخ
هذه البلاد والذي يعجز الآخرون عنه، بين الحركة الشيوعية بكل تجلياتها من جهة، وبين
الاستعمار البريطاني والامبريالية الأمريكية، وبين الحركة الشيوعية في البلاد
والمشروع الصهيوني بكل تجلياته من الجهة الأخرى. وذلك باعتبار أن الصهيونية تشكّل
جزءًا بنيويًا من المشروع الإمبريالي في فلسطين وفي المنطقة، في الماضي وفي الحاضر
سواء بسواء، ويبدو أنَّ طبيعة هذا الصراع وتورط الرجعية العربية في التواطؤ معه هي
التي تحرج المفترين وتستفزهم.
ومن المثير للاستهجان أنَّ حملات الافتراء الممضوغة على مدار السنين، تتجدد بين
مرحلة وأخرى لتشويه القيادات والقامات التاريخية المؤسِّسة للحركة الشيوعية، وتعمل
عبثًا على تشويه دورها الوطني بشكل منهجي، ومتزامن ومنسّق، يتعمق ويزداد شراسةً
بمدى عمق المآزق التي تحيق بالمشاريع الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية وغير
العربية المتناوبة على المنطقة...
توفيق محمد واستهداف الشيوعيين
الاستاذ توفيق محمد أعرفه بصفته رئيس موقع" فلسطينيو ال- 48"، وأكنُّ له الاحترام
لما أعتبرته دائما دماثة خلق وقدرة على الاجتهاد في مناقشة القضايا السياسية
والفكرية الخلافية الشائكة. وعلى الرغم من معرفتي بالبون الشاسع بيني وبينه في
القضايا الفكرية أوَّلًا والسياسية ثانيًا، إلَّا أنَّ ذلك لم يمنعني يومًا من خوض
معارك ميدانية مشتركة معًا ومع كوكبة من الأصدقاء في قيادة الحركة الاسلامية، ولم
يمنعني هذا الاختلاف من الاحتفاظ بالمساحة الضرورية للتمايز بين مواقفنا من جهة،
والاحتفاظ بالمقابل بمساحة كافية لعمل كفاحي مشترك حين يقتضي الأمر ذلك وتتوفر له
الظروف. والحقيقة أنني فوجئت الأسبوع الماضي بانضمام الاستاذ توفيق محمد إلى جوقة
المروجين لافتراءات ممجوجة على الحزب الشيوعي وتاريخه وتراثه الكفاحي الوطني
والتقدمي، وذلك في مقال تحت عنوان: "لا ينظّر لنا من يتلفع بالوطن ويهرول الى
الأسرلة"... ثم ينتقل ليتحدث عن... "إنهم أبناء آبائهم ممن أحضروا صفقة السلاح
التشيكي في العام 1948..." ويواصل حتى آخر الاسطوانة المشروخة... والحقيقة أنَّ
السيد توفيق محمد كان بمقدوره أنْ يعرف الحقائق التاريخية حول صفقة السلاح التشيكي
وحول طبيعة الوضع في تشيكوسلوفاكيا في الفترة المعنية دون عناء كبير، فقط لو أنه
أجتهد أكثر واطلع على الدراسة التي كتبها الباحث الجامعي غسان فوزي ابن مدينة أمّ
الفحم ومؤسس حركة أبناء البلد، والأسير السابق الذي اتهم بتشكيل أوَّل خلية فدائية
داخل إسرائيل بعد عدوان حزيران 1967. وهو يعد في هذه الايام أطروحته لدرجة
الدكتوراة في جامعة كولومبيا في نيويورك، وكنا نشرنا دراسته مؤخرًا على صفحة معهد
إميل توما على الفيسبوك، وقبلها في جريدة الاتحاد.
وكان بمقدور السيد توفيق محمد أن يتعرَّف أكثر على طبيعة القوى التي كانت سائدة في
تشيكوسلوفاكيا إبان صفقة السلاح، ولكان عرف أنَّ "فارس" هذه الصفقة في الحكومة
التشيكية -التي كانت مناوئة للشيوعيين في الفترة ذاتها- هو وزير الخارجية جان
مساريك، الذي عرف بعدائه للشيوعيين وعلاقاته المشبوهة مع الحركة الصهيونية، حتى
أنَّها أطلقت اسمه على كيبوتس كفار مساريك قرب حيفا، وهو الذي ما لبث أنَّ تمَّ
الإعلان خلال فترة قصيرة، أنَّه لقي حتفه منتحرًا بالقفز من بناية وزارة الخارجية
في براغ، وقد وجهت وسائل المخابرات والإعلام الغربي التهم إلى الشيوعيين والسوفييت
بتلفيق انتحاره.
ولو أنَّ الباحث توفيق محمد تمهّل قليلا وبحث بعمق أكثر في الحقائق التاريخية لكان
نجح في الوصول إلى تعليقٍ نُشِرَ في ملحق هآرتس "غاليريا" بتاريخ 7.6.2018 تحت
عنوان : "البعثة التي لم تكن" ( أو الوفد الذي لم يُرسل)، نشره باروخ تيروش، الملقب
باسم بطرس في الباليام، وهو أحد الشخصيات الأكثر ارتباطًا بصفقة السلاح التشيكي،
والذي أشرف من قبل بن غوريون على نقل الأسلحة إلى البلاد وترتيب وصولها إلى مطارات
أُعِدَّت خصيصًا لاستقبالها. ويقول تيروش هذا : "إنَّ التصحيح الوحيد الذي لا بد من
إدخاله إلى تقرير ملحق غاليري، هو بشأن ما يروى عن بعثة من الحزب الشيوعي، تمَّ
الادعاء أنها أُرسلت إلى تشيكوسلوفاكيا في العام 1948 لترتيب صفقة الاسلحة إلى
إسرائيل. وعلى ذلك، فإنني أؤكد أنَّ مثل هذه البعثة لم تكن في يوم من الأيَّام، وأنَّ
شيئًا من هذا القبيل لم يحدث على الإطلاق".
ويضيف تيروش: "إن شموئيل ميكونيس هو الذي اختلق هذه القصة، في محاولة منه لتسهيل
عودة سفارة الاتحاد السوفييتي إلى إسرائيل، بعد أنْ قطع الاتحاد السوفييتي علاقاته
معها في خمسينات القرن الماضي". وأضاف: "على الرغم من النفي المتكرر والقاطع من
جميع المطلعين على الصفقة لوجود أي دور للشيوعيين في الموضوع، إلَّا أنَّ هذه
الكذبة جرى الترويج لها وتناقلها في وسائل الاعلام".
ولفت تيروش إلى أنَّ تفاصيل صفقة السلاح التشيكي الحقيقية جرى عرضها بدقة في برنامج
"حياة كهذه" (חיים שכאלה) الذي يقدمه شايكي دان على القناة الأولى في التلفزيون
الاسرائيلي.
ولو أنَّ الباحث توفيق محمد تروّى قليلًا لفحص معلوماته لكان تعرف على معلومات لا
يعرفها عن الصفقة وما كان له أن يرمي الشيوعيين بها، ولكان امتنع عن الانضمام إلى
جوقة المفترين عليهم وعلى تراثهم. فتيروش يضيف معلومة تكررها كل المصادر التاريخية
المتوفرة لمن يريد أنْ يجتهد قليلًا للكشف عن الحقيقة، فيقول: "الآن لم يعد سَّرا
أنَّ الصفقة جرى ترتيبها والاعداد لتنفيذها على أنَّها صفقة متوجهة إلى إثيوبيا
وكتبت على أوراق رسمية إثيوبية. وبقي تزوير هوية الطرف الذي أبرمت الصفقة معه سيد
الموقف حتى الانتهاء من تنفيذها." وأضاف تيروش العالم ببواطن الأمور: "لقد عرف
الروس بالأمر في وقت متأخر بعد أشهر عديدة. وقاموا باعتقال المسؤولين عن تنفيذ
الصفقة بمن فيهم عدد من اليهود ومنهم من احتلوا (لاحقًا) مواقع في جهاز الدولة وفي
صفوف الحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي وتمت محاكمتهم وإعدامهم".
بقدر ما رغب العجل أن يَرْضَع
كانت البقرة ترغب أن تُرْضِع !
يشير تسفي بن تسور وهو أحد الضالعين الرئيسين في صفقة السلاح التشيكي في دراسة في
موقع The Palyam &Aliya Bet إلى مسألة غاية في الأهمية كان يجدر بمن يريد الحديث عن
"السلاح التشيكي" أنْ يلتفت إليها، ولو من باب التعرف على السياق التاريخي قبل أنْ
ينفلت على الشيوعيين. ويلفت بن تسور إلى أنَّه خلال الاحتلال النازي لتشيكوسلوفاكيا
وضع هيرمان غويرينغ، وهو نائب هتلر يده على شركة سكودا للسيارات في تشيكوسلوفاكيا.
وحوّل هذه المصانع إلى مصانع لإنتاج السلاح، وأتبعها بمجمع هيرمان غورينغ الذي وضعه
في خدمة المجهود الحربي الألماني.
ومع نهاية الحرب ودخول الجيش الاحمر السوفييتي إلى تشيكوسلوفاكيا وتحريرها من
النازيين فإنَّ كميات هائلة وفائضة من الاسلحة ومن مصانع السلاح كانت متوافرة
بكثافة تفوق حاجات البلاد بكثير، بينما تئن البلاد من نقص حاد في المنتوجات المدنية
واليومية وتبحث عن وسائل للتخلص من الأسلحة واستيرد الاحتياجات المدنية. كما يلفت
الرجل إلى أنَّ القانون التشيكوسلوفاكي كان يمنع عقد صفقات أسلحة مع غير الدول. ومن
هنا جرى تزوير الصفقة وعقدها بشكل سري على أوراق الدولة الأثيوبية.
ولكي ننهي مرة واحدة وإلى الأبد هذا الملف والافتراء البائس على الشيوعيين
والافتراء على تاريخهم، دعونا نتابع ما يسجله بن تسور حول الشخصيات التي كانت ضالعة
في صفقة السلاح التشيكي. يقول: "إن الاتصالات حول شراء أسلحة من تشيكوسلوفاكيا بدأت
في تموز 1947، عندما قام موشيه سنيه رئيس الدائرة السياسية في الوكالة اليهودية في
أوروبا في حينه (وعضو قيادة مبام حتى العام 1956)، بطرح الموضوع أمام نائب وزير
الخارجية فلاديمير كليمنتيس، وحصل على موافقته المبدئية". ويضيف بن تسور: "في أوائل
نوفمبر 1947 أوفد بن غوريون إلى براغ د. أوتو فيليكس، وهو محام مولود في المدينة
وله كثير من الاصدقاء في صفوف الجهاز الحكومي لفحص امكانيات شراء الاسلحة هناك...
ونحو نهاية ديسمبر/كانون الأول 1947 تكللت جهوده بالنجاح عندما أنهى إيهود أفريئيل
وأوتو فيليكس صفقة أولى، بمساعدة تاجر السلاح الروماني اليهودي روبرت أدام
أبراموفيتش تم توقيعها رسميًّا في أواسط كانون الثاني 1948 بمساعدة لافتة من جان
مساريك وزير خارجية تشيكوسلوفاكيا"... ويواصل بن تسور كيف واصل المبعوثان فيليكس
وأفريئيل مساعيهما بمساعدة تاجر ومعهما تاجر السلاح الروماني عقد صفقات سلاح إضافية
أكبر منها.
إن مشكلة "المفترين المناوبين" اليوم وتعثر مشروعهم في معاداة الشيوعيين، نابعة عن
أنَّ تاريخ الشيوعيين وتاريخ عصبة التحرر الوطني بشكل خاص، موثق بكثافة وفي كم هائل
من الوثائق المحفوظة المتوفرة، التي لا يكلفون أنفسهم حتى عناء البحث عنها والاطلاع
عليها، وخصوصًا في الفترة الممتدة بين ربيع العام 1943 وحتى العام 1949. ولكن
طامتهم الأكبر نابعة عن أنَّ تراث الشيوعيين موثّق وراسخ بقوة أكبر، ليس في الوثائق
الورقية والأرشيفات فقط، وإنَّما في قلوب الناس وذاكرتهم الجماعية والفردية،
ومعاركهم الشعبية وأهازيجهم، وفي ضمير الشعب الفلسطيني وفي اجتراح معركة البقاء،
وفي الرواية المحكية والوعي العام المنتشر داخل بيوت الناس وأماكن عملهم، بين
عائلات العمال والفلاحين والمثقفين الثوريين وصغار التجار ووسط الطلاب والشباب
والرجال والنساء، وكل قطاعات شعبنا الوطنية والتقدمية.
لقد أثبتت تجارب الشعوب المكافحة من أجل حرياتها في كل مكان، أن كل محاولة لخلق
التنافر ودق أسافين التباعد والاغتراب بين الجماهير الشعبية المنخرطة في النضال
الوطني والتحرر الاجتماعي وبين الشيوعيين وافتعال التناقض بينها وبينهم، كانت تصب
دائمًا في خدمة المتآمرين على الشعوب للإيقاع بالجماهير وترويضها وتطويعها بعيدًا
عن زخم وحدة الصف الكفاحية المعادية للإمبريالية وأتباعها الرجعيين.
---
*
عصام مخّول: الأمين العام للحزب الشيوعي "الاسرائيلي"
| لطفا إدعم الصفحات التالية |
| المزيد من مقالات العدد 44 |