|
كشَفَ تقريرٌ لمنظمة العفو الدولية صَدَر في شهر أبريل 2020 إلى إنَّ مُعْظم
عَمليات الإعدام التي نُفّذَتْ خلال عام 2019 كانت بالترتيب في البلدان التالية:
الصين، إيران، المملكة العربية السعودية، العراق ثم مصر، حيث احتلت الصين المرتبة
الأولى بِعَدَد الإعدامات المُعلنة رسميًا، أما إذا استثنينا الصين، فإنَّ 86 % من
مُجْمل الإعدامات التي نُفذَت خلال عام 2019 كانت في أربعة بلدان فقط وهي بالترتيب:
إيران، السعودية، العراق، مصر.
وكشَف التقرير أعلاه أنَّ في نهاية عام 2019 كانت أكثر من ثُلثي دول العالم قد
ألغَتْ عُقوبة الإعدام في قوانينها أو أنَّها لمْ تَعدْ تُطَبِقها، كما قامتْ عِدة
ولايات أمريكيةْ بإلغاء عقوبة الإعدام من قوانينها.
وصلت الإنسانية بشكل عام إلى قناعة كاملة بأنَّ (الإعدام) لم يَعُدْ عقوبة مَشْروعة
ضِدَ كل مَن يقوم بأي جريمة مهما كانت بَشِعة أومُؤسفة، بل إنَّ الإنسانية باتتْ
ترى في (الإعدام) جريمة كبرى يُخَطِطُ لها ويُنَفذها كلٌ مِنْ: الحاكم ورَجُل
قانونه.
إحصائيات سابقة لمنظمات مُختصة بمراقبة حقوق الإنسان تَوصلتْ إلى أنَّ نسبة تتجاوز
معدلاتها الـ 97 % من الضحايا المَعْدومين في العالم على مدى عموم التاريخ البشري
أعْدِموا بالحقيقة لأسباب (سياسية وفكرية) ولكنْ تحت أغطية وعناوين وإدانات جنائية
مُزَوّرة أو مُفْتَعَلة، كما أنَّ هناك أعدادًا ضمن هذه النسبة من الضحايا
المَعدومين كانوا مِمَنْ ثَبُتتْ عليهم فعلًا ممارسة جرائم مُحددة لكنهم أعْدِموا
استثناءً مِن كثيرين آخرين قاموا بنفس الجرائم.
إنَّ وجود هذه النسبة الكبيرة من السياسيين والمُفكّرين بين الضحايا المَعْدومين
تؤشر لنا عدم صِحة رأي من يَتذرع لبقاء عقوبة الإعدام بأعتبارها رادعًا فعالًا لمَن
يُهدد أمن الآخرين من أفراد المجتمع، بل إنَّ هذه النسبة المُرعبة تَدلنا إلى العكس
تمامًا، حيث أنَّ بقاء عقوبة الإعدام مُشرعةً قانونيًا ودستوريًا يؤدي إلى تهديد
حقيقي وواسع لأمن وكرامة جميع أفراد المجتمع، فأغلب الحُكام الشرقيين مثلًا
يُعارضون إلغاء عقوبة الإعدام ليس حرصًا على الدِين أو على أمن مجتمعاتهم كما
يَدّعون وإنما ليبقى سَيّف هذه العقوبة بـ (أيَدِيهِم) جاهزًا لتصفية وقَطْع روؤس
المُعارضين من السياسيين أو المُفكّرين، كما نَود الاستدراك فيما يَخُص نسبة الـ 3%
الباقية من الضحايا المَعدومين بالقول بأنَّ أعدادًا كبيرة جدًا منهم تَبَيّنَ فيما
بَعْدْ إما براءتهم بسبب كَوْن العَمل الذي قاموا به لم يَكُن ليُعَد جريمةً اصلاً،
وإما تَبين أنهم لا يَستحقون عقوبة الإعدام نظرًا لثبوت عدم دقة أو نزاهة المُحاكمة
بإجراءاتها وشهودها وأدلتها.
إنَّ الغاء عقوبة (الإعدام) في دساتير وقوانين مجتمعاتنا الشرقية لن يؤدي إلى
الحَدْ مِن جرائم التصفية الجسدية (ورُبما المُتبادلة) بين الحاكم وبعض من مُعارضيه
فحَسْب، وإنما سَيَعْني وِلادة (رادِع) تَرْبَوي ضِد أي عَمَل يؤدي لإنهاء حياة
إنسان مهما كانت المُبرِرات، وهذا سيؤدي بالنتيجة إلى إشاعة (تقليد مُجتمعي)
يُقَدِسْ (حياة) كل انسان بريئًا كان أم مُجرمًا، فهناك العَديد من أساليب الرَدع
والمُحاسبة والعِقاب والتقويم المُناسِب لكل أنواع ومستويات الجرائم، لكنَّ جميع
هذه الأساليب يجب أنْ لا تتضمن أبدًا مُعاقبة الإنسان بإنهاء حياته قَتْلًا.
إنَّ سَواد الرَفْض المجتعي لعقوبة (القَتْل) أو (الإعدام) قد يُساعد بصورة فَعّالة
جدًا في تَمَكّن قادة ومفكرين كَفُوئين ونَزيهين من إدارة بلدهم وتوفير أسس
أقتصادية تُؤمن حياة كريمة لجميع أفراد المجتمع وبالنتيجة يتقلص حجم جرائم القتْل
الاعتيادية، ناهيك عن أنَّ اتساع الرفض الإنساني لعقوبة (القَتْل) أو (الإعدام)
سيساهم بشكل كبير جدًا في توفير مُقَوِمات وأسس صحية لحَلِّ النِزاعات والخِلافات
بين المجتمعات البشرية بطُرق سِلمية بعيدة عن العنف.
إصرار الحاكِم والمُشَرّع الشرقي على مُواصلة السَيّر في طريق (الإعدامات) قد يَعني
لنا وكأنه يُريد أنْ يُمَوّهُنا بأنَّ (الله) يُبارك تَصْفية حياة المُعارِضين بـ
(مِطرقة قاضي)، وذلك ما لا يَقْبَله أو يَرْضاه أيّ عاقِل مُؤمنًا بـ (الله) كان أو
غير مُؤمِن!
| لطفا إشترك في الصفحات التالية |
| المزيد من واحات العدد 46 |