|
بعض الحدائق التي لا يُعرف شيء عن ماضي البقعة التي أقيمت عليها تلك الروضة
البهية، بديهي أن تخطف ألباب من يراها لأول مرة، وأن تسر نواظر المتأملين وتُنعش
أرواح الزوّار وخاصة القادمين من جهة البراري، ومن سطوة اجتماع كل مقومات الجمال في
تلك الأماكن قد لا يخطر على بال مرتادي تلك المرابع الخضراء والواحات الغناء بأن كل
ذلك الجمال الباهر مقيمٌ على مكباتٍ من الروث والعفونة، وأن تحت تلك المساحات
الجميلة بأمتارٍ قليلة تقبع سلسلة طويلة من روابي وتلال مخلفات المدينة.
وعلى غرار الحدائق المبهرة والأوتوسترادات الواسعة في ما يتعلق بجماليات الأمكنة
والطبيعة، ففي عالم البشر كذلك الأمر المخفيات منها كثيراً ما تناهض المعلنات، حيث
أن ثمة مَن يدفن الأب هناك ومن ثم يتكفل برعاية الأولاد وتدريسهم وتنشأتهم هنا، حتى
إذا ما صاروا شباباً تكون إغراءات الحياة قد مسخت قيمهم ومحت ذاكرتهم، ويبدأوا
بمقارنة الحال الذي هم فيه مع الحال الذي كانوا عليه قبل ترحيل والدهم، ليتشبثوا
حينها بالآني وينسوا الماضي المُر كرمى مغريات الحاضر، ناسين بأن الذي يعطيهم
ويُقدم لهم ما يقدمه راهناً لا يفعلها من فيض إنسانيته، إنما لكي يُغطي على جريمة
إفناء الأب من جهة، ومن جهةٍ أخرى لكي يترعرعوا في ظل ثقافة ذلك الماحِق وليس ثقافة
الوالِد الضحية.
وبذلك يكون السفّاح الذي قدّم نفسه كمانِح وراعي متحضر قد انتصر مرتين: مرةً بتخلصه
من الأب الذي كان بوجوده الحي عائقاً أمام انسلاخ العائلة واستسلامهم، وثانياً
ضمَّن مُهلك الأب تربية أولاد المغدورِ على مزاجه ووفقاً لموروثه وغاياته، وفوقها
كسب استمالة البراعم إلى جانبه بما أنهم وفق ثقافة الاتكال والمغريات التي تربوا
عليها راحوا يتبرؤون مِن والدهم وعائلته وأسرته ويلعنون بأريحية المستسلمين لمباهِج
الحياة تعلقهم بأسرة المتبني الذي أهدر حياة والدهم، ويتبنون كلياً كرمى مغريات
الحضارة قيمَ ذلكَ الذي أهدر دم عمودَ بيتهم.
فكارهُ إرثكَ يهدمُ بيتك البسيط الذي يشبهك، ويشبه ثقافتك، ويشبه طبيعتك، ويشبه
بيوت مجتمعك، ومن ثم يبدأ بإعادة إعماره ليس حباً بكَ، ولا رأفةً بأولادك، وليس
خجلاً من الذين أبصروه وهو يدمر البيت أمامهم، إنما يعمِّر البيت وغالباً بشكلٍ
أفضل مما كان عليه، حتى ينبهر الجيران وربما أصحاب البيت أيضاً بمنظر البيت الجديد
ويحتفون به، وهذا الاحتفاء كافٍ ودليل على أن المدمِّر استطاع أن يجعل أصحاب البيت
القديم وجيرانه والشاهدين على تدميره ينسوا المدمَّر بعد أن وهب المدمِّر بيتاً
جديداً لصاحب الدار، وقد يُبالغ في اهتمامه بالزخرف حتى يضمن المدمِّر تعلق العائلة
بالجديد الذي انبهروا به، وبالتالي يكون ذلك كافياً لجعلهم في مقام المندمجين مع
الجديد ويتأففوا وقتها حتى من ذكر ذلك البيت البسيط المتواضع الدال على أصلهم
الطيب، ومع تعودهم على المثوى الجديد الذي رافقه اليُسر ومحاولتهم الدؤوبة نسيان
المأوى القديم الذي كان قد لازمه العُسر، يكون المدمِّر قد انتصر على أهل البيت
وعلى ذاكرتهم وذاكرة جيرانهم معاً، باعتبار أن الكل قد نسي سبب وكيفية تدمير المسكن
والزمن الذي دُّمر فيه واكتفوا بالانتساب فخراً إلى المُستقر الجديد وتفرغوا
للاحتفاء به مع محاولة تهربهم من الغابر.
وإن فشِلَ كاره وجودكَ في تدمير داركَ ومن ثم تحديثه حتى يقضي على ماضيكَ والتخلص
من شروشكَ من خلال مخطَّطات الإعمار، فتحت أيّ ذريعة قد يعمل على تدمير بيئتك
المحلية ومحيطك الحيوي، مثل حجة ملاحقة قطيع من الخنازير البرية، أو مطاردة سرب من
الطيور الجارحة، أو اقتفاء أثر ثلة من الإرهابيين ممن كانوا صنيع يديه هو، وبحجة
ملاحقتهم يرسل الطائرات ليحرق بمقذوفاتها غاباتك، ويقضي بأيدي أدواته القذرة من
البشر على الحياة في أحراشك، ويفلت أوباشه على تلك المساحات الخضراء في ديارك لقطع
الهامات الخضراء ارباً إربا ويرسلها إلى مرابعه ليستثمر من جديد ما سرقه منك، فيصنع
لاحقاً من تلك الأشجار المقطوعة أبواب وشبابيك وخُزن ويبيعك إياهها بالثمن التام،
بالرغم من أن الأصل منك، ولكن الغازي لا يعترف بأن المادة الأولية هي من بيادرك،
ولكنه فوقها يبيعكَ منتج أرضكَ بكامل سعره ولا ينسى قط بأن يُمننك في الطلوع
والنزول بعطاياه.
|
|
| لطفاً إشترك في الصفحات التالية |