|
تتسع الهوة وتزداد، وتتعمق الفجوة، كثيراً، بين روسيا والغرب، فلم، ولن تستطيع
روسيا مجاراة الغرب عسكريا، لا في أيام الاتحاد السوفييتي المقبور، حين أعلن الرئيس
ريغان حرب النجوم بتكلفة دولارية تريليونية في حينه، أجبر قيصر الكرملين في حينه،
غورباتشيف، على رفع الراية البيضاء أمام الممثل الهوليودي "المغمور" فنياً، لكن
اللامع سياسياً، ريغان، وأعلن غورباتشيف عن عجزه في مجاراة "حرب النجوم الريغانية"
The Star Wars، وهو الذي كان ينزف في أفغانستان على يد المجاهدين "المرتزقة"
المتأسلمين العرب، وكما لن يكون بمقدور روسيا بوتين، اليوم، كما يبدو، وفي ضوء
التطورات الجارية، منافسة الغرب، أو محاولة التفوق عليه، بعدما ثبت أنها لن تستطيع
أبداً مجاراته مدنياً وحضارياً وقيمياً وديمقراطيا وعلمانياً، وتبدو أمامه، اليوم،
قزماً ومسخاً، عاجزاً مفلساً، وبلا حول أو قوة، تستجدي درونات الملالي "الخردة"
مثلهم، لا بل أصبحت مهزلة وملطشة عسكرية وأهدافاً سهلة ومكشوفة، لشوية مرتزقة
وأغرار وهواة ومتطوعين ومغامرين "مرتزقة" غربيين أتوها من كل فج عميق ، وعلى غرار
مجاهدي أفغانستان ، كما كانت سابقاً، وعلى الدوام، مهزلة ومسخرة سلطوية، وإدارية
تزخر بالفساد والرشوة وسوء الإدارة والأزمات المعيشية، وأعتقد جازماً، أنها حينما
تقترب منه-أي الغرب-، مجرد الاقتراب، ديمقراطيا وعلمانيا وتنويرياً وإدارياً،
وثقافياً، وتنكنولوجياً، وحضارياً، عندها فقط يمكن الحديث عن إمكانية التفوق عليه
وهزيمته عسكرياً...
لا يمكن إغفال الطابع الاقتصادي والمالي وحتى الاستعماري للوضع القائم حالياً في
شرق القارة الأوروبية، لكنه يبدو في مجمله صراع قيم ومبادئ ووجود بين حضارتين
وثقافتين، وقد ركز بوتين في كثير من خطاباته أن الغرب يريد أن يستهدف "قيمنا" (قيم
روسيا أي قيم الاستبداد المطلق والملكية القيصرية المؤبدة والديكتاتورية وحكم الفرد
وعبادة الفرد ووراثة الحجر والبشر وهو طبعاً لا يريد هذا)، وقد انفجر -الصراع-، أو،
بالأحرى، تم تفجيره عملياً، على شكل صراع عسكري، تقوده الولايات المتحدة "زعيمة
العالم الحر" كما يقولون، وكما خسر الروس في منازلتهم "المدنية"، فهم قاب قوسين أو
أدني من هزيمة عسكرية مهينة ومذلة وتاريخية في أوكرانيا، وقد ظهر لهم سلاح "تافه"
و"صغير" جديد فتك بهم وبجنودهم، وبآلياتهم "الخردة"، التي تتساقط كالذباب ويموت
أفرادها، ولم يكن بوارد وذهن بوتين وجنرالاته على الإطلاق، وهو "الطائرات المسيّرة"،
الـ"Drones" التي فتكت، قبلها، بمجاهدي ومرتزقة القاعدة المتأسلمين، من عشاق الجنة
الباحثين عن الحوريات، المختبئين في أعالي كهوف تورا بورا، وفي جبال اليمن، والتي
تصطاد آلياتهم وباتت سلاحاً قاتلاً يفتك بجنودهم وآلياتهم وماريشالاتهم المساكين،
والتي أي -الدرون- يفتقدها الروس، وحيّدت معظم أسلحتهم البالية "السوفييتية" الخردة،
فسارعوا لتسول نسخ أكثر "خردة" وتخلفاً من دولة الملالي الإيرانية، ولعلكم تذكرون
كيف اصطادت في العام 2010 نفس هذه الطائرات والذكية، المتطورة، في جبال اليمن، أيضاً،
واحداً من أشهر إرهابيي وزعماء القاعدة اليمني الأمريكي أنور العولقي، إمام مسجد في
تكساس والأب الروحي للرائد الأمريكي – الفلسطيني الطبيب نضال حسن منفذ مجزرة قاعدة
"فورت هود"، في تكساس...
فمثلاً، لقد عاصر بوتين، حوالي الخمسة رؤساء أمريكيين، تناوبوا على البيت الأبيض،
ما يعني –التناوب- ديناميكية وتطوراً ونقلة وتغييراً مستمراً وحركة وإيقاعاً لا
ينتهي وتداولاً للسلطات ومشاركة بالقرار وتنوعاً في التفكير والمزاج، فيما بقاء
بوتين كان يعني فيما يعنيه الترهل والبلادة والاستبداد والمراوحة في ذات المكان،
وهذا ما انعكس فعلاً ترهلاً وعجزاً وتثاقلاً عسكرياً في الميدان...
استعجل الروس، جداً، المواجهة العسكرية مع الغرب، قبل حسم المواجهة الحضارية
والمدنية والثقافية والفكرية مع الغرب والتفوق عليه، وكان من المبكر جداً إعلان
الحرب وتحدي الغرب عسكرياً، قبل تحديه والتفوق عليه قيمياً ومدنياً، وهزيمته بالقوى
الناعمة، وبعدها ستكون الهزيمة بالقوى الخشنة مجرد تفصيل صغير وتحصيل حاصل بسيط...
|
|
| لطفاً إشترك في الصفحات التالية |