غاليليو
|
يُعتبر غاليليو (1564- 1642) أحد العلماء الذين أَثْروا مناهج العلوم
الطبيعية، سواء في الفيزياء أو في الفلك. وعلى الرغم من أهمية أبحاثه واكتشافاته،
فإنّ أعضاء الكهنوت الدينى مارسوا ضده أبشع أنواع الاضطهاد، كما هو معروف عن دورهم
المُـعادي للعلم فى كل العصور. ولذلك فإنّ صراعه معهم تراجيديا واقعية كتب التاريخ
سطورها، ونقل ديورانت تفاصيلها فى موسوعته (قصة الحضارة- المجلد 15- الجزء 30).
كان والد غاليليو من فلورنسا الإيطالية، وساهم فى تعليم ابنه اللغتيْن اليونانية
واللاتينية، والرياضيات والموسيقى. وكانت الموسيقى سلواه الدائمة، وخاصةً فى
شيخوخته بعد أنْ فقد بصره. عزف على الأرغن عزفــًـا جديرًا بالتقدير، وعزف على
العود، وأحبَّ الرسم والتصوير. وفى إيطاليا التى أمضى فيها شبابه، كان تيارالنهضة
يلفح الوجوه. وعندما بلغ سن السابعة عشرة أرسله والده إلى جامعة بيزا ليدرس الطب
والفلسفة، وبعد سنة واحدة أنجز كشفه العلمى الأول، وهو أنّ ((تأرجحات البندول- بصرف
النظر عن اتساعها- تستغرق الوقت نفسه. وبإطالة ذراع البندول أوتقصيره، أمكنه أنْ
ينقص أويزيد من معدل ذبذبته، حتى تزامنتْ مع نبضه. وبهذا توصل إلى قياس ضربات القلب
بدقة)). وفى عام 1585 ترك غاليليو جامعة بيزا، وظهر عليه ولعه بالرياضيات
والميكانيكا. اخترع بعد عام ميزانــًـا (هيدروستاتيا) ليقدّر الأوزان النسبية
للمعادن. وفى تطور غير متوقع، انخفضتْ موارد والده المالية، فكان عليه أن يواجه
الأزمة ويعتمد على نفسه، فلما علم بخلو كرسي الرياضيات فى جامعة بيزا، تقـدّم لشغله،
وتـمّ تعيينه وهو فى سن الخامسة والعشرين. كان الراتب ضئيلا، لكنَّه تماسك واكتفى
بما يسد ألم الجوع.
شنّ فى محاضراته هجومه على (فيزياء أرسطو) وعلى علماء الإغريق، وشَعَرَ معاصروه
بالفزع حين أثبت أنّ الكثير من النتائج التى استخلصها أرسطو زائفة. وكان غاليليو
يطلب من العلماء ومن رؤساء الكنيسة الذهاب معه إلى (برج بيزا) لمشاهدة تجاربه على (سرعة
الأجسام المتحرّكة) ليثبت لهم خطأ علماء اليونان وعلى رأسهم أرسطو. ووضع غاليليو ما
جمعه من أبحاث وتجارب فى كتابه (محاورات حول علميْن جديديْن) وهما الاستاتيكا
والديناميكا، وأثبت عدم قابلية المادة للفناء، وصاغ قواعد الرافعة والبكرة، وأثبت
أنّ سرعة سقوط الأجسام سقوطــًـا مطلقــًـا تزيد بنسبة منتظمة، وانتهى إلى قانون
القصور الذاتى (وهو أول قوانين نيوتن للحركة).
وكان غاليليو في أواخر حياته يــُـخصِّص الجزء الأكبر من وقته لعلم الفلك. وكتب في
عام 1596 إلى كبلر (الذى يصغره بسبع سنوات) رسالةً شكره فيها على كتابه (الكون الخفي)
قال فيها: "إننى أشعر بالسعادة حيث اعتبرك زميلًا عظيمـًـا، وسأعكف على قراءة كتابك،
وتحدونى الرغبة لأستوعب ما فيه، وأنا كنتُ من أنصار (كوبرنيكس) وإنّ كتابك سيكشف لي
الكثير من الظواهر الطبيعية البالغة الإبهام... وأنا توصلتُ لبعض النتائج، ولكنني لن
أنشرها حاليــًـا، حيث يثنينى عن نشرها حظ أستاذنا كوبرنيكس الذى حظى بشهرة واسعة...
ولقي في الوقت نفسه التجريح والاستنكار من كثيرين، لأنّ عدد الأغبياء كبير جدًا...
وقد أتجاسر على نشرت أملاتى إذا كثر أمثالك".
وهكذا بلغ تواضع غاليليو حدَّ الكتابة لتلميذه (كبلر) وشكره على كتابه، والوعد بأنه
سيقرأه، ويتوقع أنه سيستفيد منه. كما ذكر اعترافه بفضل أستاذه كوبرنيكس.
ومن بين إنجازات غاليليو أنه أدخل على تلسكوبه الكثيرمن التحسينات، فجعله
يكبــّـر الأشياء ألف مرة، وشعر بالذهول وهو يرى عالمًا جديدًا من النجوم التى تبلغ
عشرة أمثال ما هو معروف (قبل استخدام تلسكوبه). وفى يناير 1610 اكتشف أربعة أقمار
من الأقمار التسعة، أو توابع المشتري... وكتب: "هذه الأجسام الجديدة تدورحول نجم
آخر كبير جدًا، مثلما يدور حول الشمس عطارد والزهرة، وربما غيرهما من الكواكب
الأخرى".
وعلى الرغم من كل هذا المجهود فإنّ أساتذة جامعة بادوا رفضوا تصديق صحة اكتشافات
غاليليو، ورفضوا النظر من خلال مناظيره التى اخترعها. ولعلّ ما أثار غضب أساتذة
الجامعة، وغضب أعضاء الكهنوت الدينى، ما قاله: "لقد ارتمينا فى أحضان اليونان
وأرسطو آلاف الأعوام، وحان الوقت للتحر رمن المجلدات اليونانية، والنظر إلى العالم
نظرة أكثرانطلاقــًـا، وبعيون وعقول مفتوحة". وقال كذلك: "إنني لكي أثبت لخصومي صحة
أبحاثي واكتشافاتي، اضطررتُ إلى أنْ أثبتها بتجارب كثيرة، ولو أنني لم أشعر بأنه من
الضروري أنْ أقوم بكل هذه التجارب". كما قال: "إنني أتعلم من أي شخص وأسمعه، وأتأمل
ما قال".
تربَّص به أعضاء الكهنوت الديني عندما لاحظوا أنه يستشهد كثيرًا بأبحاث كوبرنيكس،
وهي الأبحاث التى تــُـعارض ما جاء فى الكتاب المقدس، وقالوا لو أيــّـدنا هذه
الأبحاث، فإنّ الكتاب المقدس ((سوف يفقد قيمته)) ليس ذلك (فقط) بل إنّ المسيحية
ذاتها (ستتأثر إذا انتشرت هذه الأبحاث)). وقال أعضاء الكهنوت الدينى: "ماذا يمكن
أنْ يصيب العقيدة المسيحية، إذا كان الله ((قد اختار كوكب الأرض مقرًا (كرسيــًـا)
دنيويــًـا له... وهذه الأرض يريد كوبرنيكس وغاليليو ((تجريدها من مكانتها
السامية... ومنزلتها الرفيعة المقدسة... وتوضع طليقة بين كواكب أكبر منها عدة
مرات... وبين نجوم لا حصر لها)).
فى مواجهة ذلك كتب غاليليو إلى الأب (كاستللي) بتاريخ 21 ديسمبر 1613 رسالة قال
فيها: "إنّ الكتاب المقدس يتطلب تفسيرًا يختلف عن المعنى المباشر للألفاظ (مثل
الحديث عن غضب الله... وبغضه وتأنيبه... ويديه وقدميه) لأنه يبدو لي ليس للكتاب
المقدس كبير شأن في ما يتعلق بالمناظرات الرياضية... وأعتقد أنّ العمليات التى
نـُـدركها (بالرصد) الدقيق أو الملاحظة الدقيقة، أو نستنتجها بالدليل المادي، لا
يمكن تفنيدها أو تكذيبها بآيات من الكتاب المقدس)). انزعج أعضاء الكهنوت الدينى،
وعلى رأسهم الكاردينال (بللارمين) وأرسل رسالة إلى غاليليو نصحه فيها أنْ يكف عن
هذا الكلام، ولا يتكلم (بصيغة قاطعة) وإنما يشير إلى أنّ أبحاثه (مجرد فرضيات).
انبرى أكثر من قسيس وواعظ بشن الهجوم على غاليليو... وكان من بينهم واعظ دومنيكاني،
فقال إنّ نظرية كوبرنيكس ((تتعارض تعارضــًـا تامـًـا... ولاتقبل الجدل مع الكتاب
المقدس)). ليس هذا (فقط)، بل إنّ كثيرين أرسلوا شكاوى إلى (محكمة التفتيش) التابعة
للكنيسة... وضغط كثيرون من أصدقاء غاليليو عليه كى يتراجع ويقول إنّ أبحاثه (مجرد
فرضيات)، ولكنه رفض التراجع وقال: "أعتقد أنّ الأرض ((تدور على محورها، وتدورحول
الشمس))"، فاعتبر أعضاء الكهنوت الدينى أنّ ((هذا إمعان فى الهرطقة)).
وبعد أنْ وعد بالامتثال للكنيسة قال: "أي شيء يفيد الكنيسة المقدسة فى اتخاذ قرار
يتعلق بمنهج كوبرنيكس... ويمكن لها أنْ تأخذه وتنتفع به... كما يحلو لرؤسائها...
وإنْ لم يقتنعوا فليمزقوا كتابي أو يحرقوه... وأنا لا أجني ثمارًا من معارضتي التقوى
والكثلكة".
في 16 فبراير 1616 أصدرتْ محكمة التفتيش توجيهاتها إلى الكاردينال بللارمين بأنْ
يستدعي من (يــُـدعى) غاليليو، وينذره بأنْ يتخلى عن آرائه المزعومة. وفي حال
امتناعه، يــُـعلنه بالأمر بالاقلاع عن تدريس نظرية كوبرنيكس، فإذا لم يذعن يودع فى
السجن. وفي 5 مارس 1616 أصدرتْ المحكمة قرارًا قالت فيه: "إنّ الفكرة التى تقول
بأنّ الشمس تقف بلا حركة وسط الكون ((فكرة سخيفة وزائفة)) وفوق ذلك هي (هرطقة)
لأنها تــُـناقض النصوص المقدسة... والفكرة التى تقول إنّ الأرض ليست مركزًا للكون،
هي فكرة زائفة"... وفي اليوم نفسه، تـمّ تحريم نشر أو قراءة أى كتاب يدافع عن تلك
النظريات المعارضة للكتاب المقدس... وحظرتْ كتاب كوبرنيكس حتى يتم تصويبه. وفى عام
1620 أباحتْ الكنيسة للكاثوليك قراءة الطبعات التى حــُـذفت منها تسع فقرات كانت
تــُـثبت أنّ النظرية صحيحة.
وذكر ديورانت أنّ الكنيسة أجبرتْ غاليليو على كتابة الآتى: ((إنّ الله هو القوي وهو
على كل شيىء قدير... ومن ثـمّ لا يجوز أنْ نــُـقـدّم المد والجزر دليلًا على حركة
الأرض، لأننا بذلك نحد من سعة علم الله وقدرته).) وكان تعليق العالم (سلفياتي) على
هذه الجملة التى فــُـرضتْ على غاليليو ((إنها وأيم الحق حجة إنجيلية ممتازة)).
استدعتْ محكمة التفتيش غاليليو... وحثته على الاعتراف بذنبه... وظلّ سجينــًـا فى
(قصر المحكمة) وأشاعوا فى نفسه الخوف من التعذيب... وتوسل إليهم أنْ يرحموا شيخوخته
واعتلال صحته... وفى التحقيق معه فى المرة الرابعة، تراجع عن آرائه... لكنَّ أعضاء
الكهنوت الديني لم يقتنعوا بصدق تراجعه... وأجبروه على أنْ يجثو على ركبتيه...
ويتبرأ من نظرية كوبرنيكس... وأعطوه ورقة وعليه تلاوتها بصوت مرتفع أمام أعضاء
المحكمة... وامتثل لهم وقرأ: ((بقلب مخلص وإيمان صادق، ألعن وأبغض وأعلن التخلي عن
الأخطاء والهرطقة المنسوبة إليَّ... وعن أي خطأ أو هرطقة فى حق الكنيسة المقدسة...
وأقسم أنني لن أذكر بعد اليوم أى شيء قد يثير مثل هذه الريب حولي... وإذا عرفتُ أى
هرطيق فلا بدَّ أنْ أبلغ عنه... وأدعو الله أنْ يمنحني العون... وأرجو أنْ تساعدني
الكتب المقدسة التي أضع يدي عليها... وأنا أتلو اعترافي)).
وذكر ديورانت أنَّ قصة أنه عند مغادرته قاعة المحكمة همس: ومع ذلك فهي تدور، فإنها
أسطورة... ولم تظهر إلاّ في عام 1761، أي بعد وفاة غاليليو بأكثر من مئة عام. كانت
نهاية غاليليو مأساوية... وإقامته في عزلة مع ابنته وإجبارها على تلاوة
المزامير السبعة معه، فكان تعقيب ديورانت: واضح أنّ غاليليو كان رجلا مهـدّمـًـا،
مغلوبــًـا على أمره، أذلته كنيسة اعتقدتْ أنها (وصية) على معتقدات البشر، وآمالهم
وأخلاقياتهم. إنّ تخليه عن آرائه بعد قضاء عدة شهور فى السجن... كل ذلك كان من
الممكن أنْ يحطم عقل وإرادة أي شاب، فما بالنا ونحن إزاء شيخ هرم، كان فى ذهنه صورة
حرق العالم جوردانو برونو حيــًـا، فخشي أنْ يلقى المصير نفسه... ولكنْ غاليليو- وعلى
الرغم مما حدث معه، لم ينهزم، فقد انتشر كتابه في كل أوروبا... وتــُـرجم إلى عشر
لغات... وفي وحدته هزم أحزانه بأنْ واصل أبحاثه الفيزيائية فى مجلد ضخم... وفي عام
1639 حين كان يعاني من الآلام النفسية والعضوية، سمحتْ له محكمة التفتيش بزيارة
فلورنسا، تحت مراقبة دقيقة... وكان يتغلب على أحزانه بالعزف على العود... وفي عام
1835، أي بعد وفاته بما يقرب من مئتي سنة، تراجعتْ الكنيسة، فلم تعد كتب غاليليو
ضمن قائمة الكتب المحظورة... وانتصرهذا العالم الجليل على توحش الكهنوت الديني،
أخطر أعداء البحث العلمي.
| لطفا إدعم الصفحات التالية |
| المزيد من قراءات نقدية في العدد 44 |