|
رائحة حوش دارنا التي كان الناس يطلقون عليها اسم (دار القطيفان الشرقية) منعشة
هذا الصباح الشتائي المشمس... والذي يميزه أنه يوم عطلة مدرسية، ولا واجبات فيه على
غير العادة...
دارنا كانت أقرب ما تكون للقلعة من الداخل... أجل، فقد دخلتُ كثيرًا من القلاع في
سوريا بعدما كبُرْت، إلَّا أَّن أقربها بنوع الحجر والبناء والتداخلات هي قلعة
المرقب التي تطل كعين الصقر على مدينة بانياس وبحرها...
شعاع الشمس في هذه الفترة من العام لا يصل البيوت (غرف السكن، فالغرفة كانت تسمى
بيتًا) في دارنا إلَّا قبيل الظهر، ذلك لارتفاع الجدران الحجرية الضخمة، ولارتفاع
العلالي الشرقية فنضطر لاعتلاء الأمكنة المرتفعة والتي تستقبل ضوء الشمس الساحر
ونبدو كأننا في طقوس رقصة للشمس ونحن نتمطى منتشين بحرارة شعاعها ...
مساحة كبيرة تحيط بها (اِخمام) الدجاج والبوايك (مكان سكنى البهائم ومستودعات
الأعلاف)، ومستودعات الحبوب وأدوات الفلاحة... وقطوع "الجلّة" التي كانت بمثابة
خزانات المازوت في البيت في أيامنا هذه.
الدجاج والديكة وقد أُطلقت من (اخمامها) التي يتصاعد من جدرانها وأسطحها الطينية
الرطبة، أبخرة شفافة كالغمام، بفعل ليلة كانت ماطرة حتى لكأنك تظنها خيوط دخان
لحرائق صغيرة... الدجاجات كانت تحرص على البقاء والتمطي بكسل تحت شعاع الشمس...
النسمات الخفيفة التي يمكن الاحتيال عليها بلباس إضافي فوق البيجاما "المعرّقة" من
قماش الفانيلا، كانت تبعث فينا لذة الدفء بعد ليلة باردة.

كانت أجسادنا الصغيرة لا تستكين للاسترخاء، فنندفع قليلاً قليلاً للانخراط باللعب
والقفز وتخريب أي شيء عامر من باب العبث. ونبقى هكذا حتى يأتينا صوت أمي، فتذكر
ثلاثة أو أربعة أسماء لنا، ليس من باب النسيان والخربطة كعادتها عندما تريد أن
تنادي أحدنا، وإنما كي ننزل لتناول الفطور الذي كان تلك الصينية الفاخرة من الفول
التي أُخرجت جَرّته الفخارية (البكسة) من "ساسِ" الفرن الذي يعسّ حولها بناره
ورماده الحار طوال الليل... كل الطعام في حياتنا ونحن صغار كان طبيعيًا وتحضيره
فطري بسيط، لكنَّ طعم الخبز الطازج الخارج لتوه من التنور، لا أعتقد أنَّ شخصًا
ذواقًا يمكن أن ينسى ذاك الطعم بقية حياته.
كانت حياة أهلي بسيطة، ككل أهل درعا البلد... حصاد وشقاء البيادر في الصيف،
والفلاحة والبذار عند بداية الشتاء، إلَّا أَّن شقاءنا كان زائدًا عن الآخرين، إذ
أننا نملك كرمًا زرع فيه أبي أشجارًا متنوعة (لعله كان جنة صغيرة صنعها أبي)، وهذه
الأشجار منها ما يحتاج رعاية في الصيف ومنها ما يحتاجها في الشتاء، ناهيك عن السياج
الحجري (السنسالة) والتي كان قوامها الأساسي هو حجر الصوان القاسي والأملس، الذي
ينزلق بسهولة لينهار جزء من تلك السنسالة حتى لو وقفت عصفورة عليه ثم طارت
بتثاقل... مما يجعل من النادر أنْ يكون لدينا يوم عطلة كهذا الصباح المشمس، أو يوم
راحة كباقي خلق الله. هذا عداك عن ما نربي في الدار من بهائم و حيوانات لاتستقيم
حياة الفلاح دونها، كالبقرة وعجولها، والحمار الذي هو ركن العمل والحركة والنقل
الأساسي (سفينة الفلاح)، وهذه الكائنات تحتاج إلى عناية ورعاية مما يزيد في مهامنا
كصِبْيَة أو شباب في الدار.
لكن للبقرة مركز الصدارة من اهتمامنا. فقد كانت مدللة لدرجة أنَّ لها اسمًا تخاطَب
به، فأمي كانت تخاطبها كلما قدّمت لها العلف، أو كلما أرادت حَلْبَها... تمسد جسدها
بباطن كفها بحنان وهي تقول لها: هلا "اِعْطِيْرِة"... هلا يُمّه...
لعلَّ أهلنا سبقوا أوروبا الحديثة في حسن التعامل مع الحيوان! وكنا نحبها ونحب
قوامها الذي كان (فخمًا) أكثر من كل بقر جيراننا...
قبل أيام ولَدَت لنا اِعطيرة عجلاً أصبح وكأنه تتمة للأسرة... كان صغير الجسد
جميلاً له نفس ألوان أمه... حركته قلقة يركض بشكل مضحك... جاء العجل يشبهها
كثيرًا... كنا نعزله عنها كي لا يشرب حليبها الذي كنا نأخذ الحصة الأكبرمنه، ونترك
له القليل، لكننا كنا نعوض له الباقي بالعلف وكنا نراه يكبر كل صباح.
عشنا بقية هذا اليوم الاستثنائي وكأنه عطلة عيد... واكتملت لذته بالغداء الفاخر
أيضًا، اذ استغلت أمي حرارة فرن التنور لتشوي لنا وجبة "المكامير" (الرقاقة) والتي
كانت مقمرة بلونها الذهبي، وأطرافها مقرمشة وقد لذعتها نار الفرن وجعلت قوام
الدجاجتين اللتين كانتا حشوة ذاك العجين المشوي، لا يكاد يظهر منه شيء لشدة النضوج.
قُلبت صينية المكامير في صينية كبيرة كي نتمكن من تناولها وقد بردت حرارتها
قليلاً... ذاك طعم لن يفارق ذائقتك أبد الدهر "لو" قُيِّض لك أن تحصل عليه يومًا
ما.
لم نكن نعلم ما يخبئه غياب شمس هذا اليوم... فقد جاء الغروب بنسائمه الباردة، وآن
أوان حَلْب اعطيرة، وكانت لا تدرُّ حليبها إلَّا إذا وضعنا العجل الجميل أمام
ناظريها وداعبته برقبتها ولسانها، بل وتكلمها أمي وتمسد جسدها قليلاً كالعادة قبل
البدء بغسل ضرعها وتنشيفه بقماشة نظيفة، ثم تبدأ الحلْب.
لم يعد يومها العجل الذي كان يُطلَق خلال النهار ليلعب في أرجاء الدار الكبيرة،
بحثنا عنه، سألنا الجوار:
- كان عند البوابة عقب أذان الظهر...
- شفتو، لكن ظننتكم أنتم من أخرجتموه...
- رأيت عجلاً صغيرًا يعبر زقاق الشلبي إلى دور الحوشان...
- لا والله ما شفتو...
- ليش انتو مش زاربينو بالخان؟
- ليش ما كانش مربوط؟
يومها، وبرغم كل المحاولات، لم تَدُرّ اعطيرة، وبالكاد حصلت أمي على ربع ما اعتدنا
عليه من حليب...
انتصف الليل ولم تفلح كل جهود أبي وإخوتي الكبار وأمي في البحث في كل مكان محتمل...
ومنذ الصباح الباكر، استيقظنا على صوت خوار اعطيرة الذي ملأ الدار مفتقدة
"وليدها"...
أيضًا ذهبت محاولات البحث على مدى اليوم التالي كله هباء... واعطيرة اليوم
(نَشَّفَتْ)، لم ينزل أي لبن من ضرعها، يا للكارثة...
أيام وهي تخور، ولا تدر قطرة من الحليب... إلى أنْ جاء أحدهم ليخبر أبي أنَّ هناك
رائحة جيفة تنبعث من أحدى خرائب دور المحيسن... وللأسف كانت الرائحة هي رائحة عجل
اعطيرة...
جيء بالعجل الميت الذي يبدو أنه سقط بعد أن تاه بين الخرائب مع العتمة، في فتحة
علوية (روزنة) لأحد البوايك ومات من الخوف والجوع والعطش...
وضعناه أمام "الأم المكلومة" في طقس هو أقرب إلى العزاء الحقيقي، كانت أمي أول من
بدأ بكاءً أقرب الى النواح، ولكن عدوى النحيب انتقلت إلينا جميعًا، عندما اقتربت
اعطيرة من جسد عجلها تشمشمه وتلعق وجهه... سالت دموعها غزيرة وندّ عنها صوت لا
يفارقني إلى اليوم، صوت بكاء كالبشر... لا بل أكثر، إنه أقرب الى صوت آلة
التشيللو... وما زلت حتى يومنا هذا، يدمع قلبي كلما سمعت عزف التشيللو على مقام
"البيات"... إذ لعلّه مقام الموت.
|
|
| لطفا إدعم الصفحات التالية |
| المزيد من قصص العدد 45 |