ذهابا إلى أسكودار
 

 

الغيم يحاصر كل زاوية من السماء في مدينة المغترب مانعًا أي نور أنْ يضئ العتمة، وفي وسط هذا الغرق علت دندنة موسيقى أغنية يعرفها جيدًا، وكلما كان يقترب خطوة كانت الموسيقا تعلو وتعلو لتخترق زاوية تقبع فيها خيبة طفل.

اللحن الذي لم يكن يعرف اسمه والذي كان عازف محترف يعزفه على زاوية الطريق أعاده إلى مدرسته الابتدائية، وبالتحديد إلى حصة الموسيقى، المنفذ الوحيد للروح خارج عالمه الضيق.

وتذكر أستاذ الموسيقى القاسي صاحب الصوت الجهوري يصيح بالطلاب: "إذا احسنتم التصرف خلال الدروس القادمة سأسمح لكم مشاركة الجوقة الموسيقية للصف السادس".

وتابع إعطاء بعض التعليمات وعزف بعض الألحان البسيطة وكرر وعده بأنه وخلال شهرين سيشارك كل طلاب الصف العزف بالآلات الموسيقية مع الجوقة الناشئة للصفوف العليا.

في اليوم التالي في حصة الرياضيات فقد تركيزه فجأة بعدما سمع لحن أغنية يصدح من الصف المجاور... فقد إصغاءه للرياضيات والحسابات والعالم الجامد ودخل في عالم عجيب آخر أخذته إليه معزوفة تعلو من الصف المجاور، معزوفة لم يكن يعرف لها اسمًا لكنها تشربت ذاكرته، وحنايا روحه...

تتالت الأسابيع، وفي كل درس موسيقا للصف المجاور كان الأستاذ يعيد تدريب طلابه على نفس اللحن الساحر. أما هو الطفل الصغير نحيل الجسد ذو العشرة أعوام كان يترك جسده ملتصقًا بالمقعد، ويطلق العنان لروحه لتحلق بعيدًا في فضاء آخر بعيدًا عن الواجبات، والدروس وكل الأشياء التي أرغم على القيام بها.

بعد فترة وجيزة وفي درس الموسيقا حصل ما كان لم يكن يحلم به فقد وعد أستاذ الموسيقى طلابه بتعليمهم المعزوفه نفسها التي يدرسها للصف السادس... أدرك مباشرة أنها معزوفته المحببة القادرة على أخذه إلى عوالم سحرية وبفرحة طفل صار يعد الأيام، ووعود الأستاذ المقترنة بتصرف الطلاب الجيد تزداد.

بعد عدة أسابيع وبشكل مفاجئ دخل أستاذ الموسيقى مع عدة أطفال تعلو على وجوههم الابتسامات محملين بالآلات الموسيقية، وفي غمرة الفرح الطفولي بدأ الأطفال بإصدار ضجيج تتخلله ضحكات مرحة، فعلا صوت الأستاذ فجأة على صوت الضحكات مطالبًا طلابه بالهدوء، لكنَّ نداءه ذهب هباءً منثورًا، فاستشاط غضبًا، وبدأ بالصراخ، والتهديد:
" قسمًا بالله إن لم تصمتوا سألغي الدرس".

لكنَّ فرحة الأطفال لا يمكن إيقافها بالصراخ والغضب الذي لم يحملوه على محمل الجد. وبعناد شديد وقف الأستاذ كجبل وهو يرعد ويزبد، شامخًا منتقمًا من كل شئ... وبكلمتين ألغى الدرس، وأخرج أطفال الجوقة الموسيقية بهدوء، عندها فقط صمت الأطفال صمتًا مروعًا.

شئ جميل سقط سقوطًا مروعًا من عالمه الجميل إلى أرض الواقع... الحلم الجميل الذي انتظر أنْ يعيشه انتهى بقرار تعسفي من السلطة العليا بالصف. وكانت هذه أول خيبة في الحياة قد عايشها ستتوالى بعدها الخيبات لترمي به لاجئ في مدينة ضبابية معتمة يحاصرها الغيم، ليجد نفسه يقترب من مصدر خيبته الأولى المعزوفة التي لم يعرف لها طوال حياته عنوان.

وبهدوء تقدم نحو العازف وانتظر بشغف حتى أنهى مقطوعته وسأله بهدوء وبصوت منخفض:
- ما اسم هذه المعزوفة؟
أجابه العازف الشبيه بالمسيح بعينين ضاحكتين، وابتسامة لطيفة شاكرًا اهتمامه:
- ذهابًا إلى اسكودار.

وبقلب فرح مبصرًا لنور قريب أخرج كل ما امتلك في جيوبه من مال ووضعه بلطف في علبة معدنية كانت موضوعة أمام الفنان، وتابع مشيه مبتسمًا يدندن:

"ذهابًا إلى اسكودار... ذهابًا إلى اسكودار".
 


   

 

لطفا إدعم الصفحات التالية   

 

المزيد من قصص العدد 45   

 

مقالات رئيس التحرير   

 

إدعم مشروعنا الثقافي بالاعلان معنا