الدور التقدمي للامبريالية
بغياب الثورة الاشتراكية

 

 

إجتمع في أزمير/تركيا في أكتوبر الماضي مندوبو أربعة وسبعون حزبًا شيوعيًا من القارات الخمس بمناسبة الذكرى المئوية لقيام الأممية الشيوعية 1919 حين "هيمنت"، كما نص بيانهم بالعربية، على البلاشفة فكرة انتصار الاشتراكية في عدد من البلدان الأوروبية – ومثل هذا القول يستبطن التشكيك والسخرية من موقف لينين الثوري في تفجير ثورة أكتوبر الاشتراكية والعودة للاصطفاف مع أعداء لينين المناشفة وزعماء الأممية الثانية كاوتسكي وبليخانوف – بلغت الصفاقة بهؤلاء لأن يجتمعوا بذكرى الأممية الشيوعية المئوية لنفيها!! وبعد أنْ تداول مندوبو هذه الأحزاب التي تدّعي الشيوعية، وهي منها براء، في المواقف السياسية الراهنة لأحزابهم، لثلاثة أيام قرروا في النهاية بالإجماع تكريس نضالهم ضد الإمبريالية حتى تحقيق الهدف، وقد رأوا أنَّ التناقض الرأسمالي بين العمل ورأس المال قد تعمق كثيرًا – مع أنَّ أعداد الطبقة البروليتارية في الدول الرأسماليية الكلاسيكية انكمشت بنسبة 70% - ومن المثير حقًا هنا هو عدم افصاح البيان عن الهدف الذي يبغون تحقيقه بعد القضاء على الإمبريالية المفترضة كما يستدعي الإجتماع على الأقل لا سيّما وأنه بات معلومًا أنَّ جميع هذه الأحزاب تقريبًا تعلن بكل صفاقة ودون حياء أو خجل أنَّ حربها على الإمبريالية تستهدف بناء الدولة البورجوازية الديموقراطية حيث تتعايش طبقة العمال مع طبقة البورجوازية في ظل العدالة الاجتماعية... "ويا دار ما دخلك شر"، كما يقول العامة، شر الصراع الطبقي ميكانزم الماركسية!!

الشيوعيون البلاشفة يدينون بقوة أولئك المجتمعين في تركيا من أدعياء الشيوعية، والشيوعية منهم براء، وينكرون أفكارهم السقيمة السخيفة، كما يحتجون بشدة على التشكيك بخطاب لينين في الاجتماع التأسيسي للأممية الشيوعية حيث أكد لينين على ضمان نجاح الثورة الاشتراكية على صعيد العالم،
 The Victory of the Communist Revolution is Assured World-Wide “"

والسخرية من أفكار لينين بادعاء هؤلاء الأفاقين الأوغاد أنَّ نجاح الثورة في عدد محدود من البلدان المجاورة كان قد "هيمن" على فكر البلاشفة. التشكيك في لينين وخطابه الذي أكد ضمان نجاح الثورة الاشتراكية على صعيد العالم، لا يدل إلَّا على ارتداد هؤلاء الأوغاد على الثورة الشيوعية.

الأفاقون الأوغاد هم الذين لا يتوقفون أبدًا ليتذكروا المعارك الكبرى التي أبهرت العالم وخاضتها الشعوب السوفياتية في الحرب على النازية حتى سحقتها في رأس هتلر، وما كانت تلك المعارك الباهرة إلَّا من نتاج الاشتراكية البولشفية. كتبت الموسوعة البريطانية عن مؤتمر يالطا فبراير 1945 تقول إنَّ تشرتشل وروزفلت – وهما أعظم قائدين في تاريخ الغرب الرأسمالي – ليسا ندّين لستالين وهو أقوى قائد عبر التاريخ، وقد شهد ونستون تشرتشل نفس الشهادة في خطابه في 23 ديسمبر 1959.

في العام 1949 رد ستالين على تشكيل حلف شمال الأطلسي يقول: "لن نحاربكم لكننا سنتغلب عليكم بالمنافسة السلمية" وهو ما كان يعني... أنتم الإثنتا عشرة دولة المنضوية في حلف شمال الأطلسي ليس في مقدرتكم محاربتنا وعليه فإننا سنتغلب عليكم بالمنافسة السلمية. ليس من عادة ستالين أنْ يغالي في الأمور. فهو كان في نهاية الحرب قد تحقق من أنَّ الدول الرأسمالية الكبرى الثلاث، فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، إنما باتت من فضلات التاريخ ينتظرها التلاشي تحت مظلة قوى الاتحاد السوفياتي الجبارة، وهو ما لا يدركه المؤتمرون في أزمير طالما أنهم لا يحسنون قراءة التاريخ.

في العام 1919 وبعد أنْ سحق البلاشفة الائتلاف المعادي في الحرب الأهلية، وقد ضم الطبقة البورجوازية ومالكي العقارات وفلول القيصرية، أعلن لينين في افتتاح الجلسة التأسيسية للأممية الشيوعية في 6 مارس/آذار 19 ضمان انتصار الثورة الشيوعية في العالم. وفي العام 1952 أعلن ستالين في المؤتمر التاسع عشر للحزب، نتيجة لمعاينته وقائع نهاية الحرب، أنَّ النظام الإمبريالي سينهار في وقت قريب، فهل كان لينين وستالين مخطئين وفلول أدعياء الشيوعية المفلسين في مؤتمر أزمير على صواب!؟ خطب تشرتشل في ديسمبر 59 وقال: "حاربنا ستالين كإمبرياليين بأدواتنا وتغلب علينا".

الشيوعيون الذين يطعنون بالثورة البولشفية ويسخرون منها إنما هم من شيوعيي البورجوازية الوضيعة. كيف لهؤلاء أنْ ينكروا انهيار النظام الرأسمالي الإمبريالي حين اضطرت الإدارة الأميركية لأنْ تعلن انكشاف الدولار في العام 71 مما تسبب بانهيار قيمته في أسواق الصرف وفقدانه 40% من قيمته خلال عامي 72 و 73 الأمر الذي أكد أنَّ الولايات المتحدة لم تعد تنتج البضائع الكافية لتغطية الدولار مما اضطرها إلى الطلب من الدول الرأسمالية الكبرى الأربعة الأخرى، بريطانيا وفرنسا وألمانيا واليابان، لأن تضمن ثبات سعر الدولار في أسواق الصرف وهو ما كان في أول مؤتمر للخمسة الكبار (G5) في رامبوييه/ باريس في 16 نوفمبر 75.

أنْ تفقد الولايات المتحدة، وهي الحصن الأخير للنظام الرأسمالي، الغطاء الضروري لنقدها، وهو الرمز الأول لسيادتها، وتضطر إلى البحث عن توفير الغطاء من دول أجنبيه، فذلك يعني دون لبس أو مواربة أنَّ نظام الإنتاج في الولايات المتحدة لم يعد يوفر البضاعة الكافية لتغطية الدولار، أي أنه لم يعد رأسماليًا حيث النظام الرأسمالي يتنفس بضاعة والدورة الدموية فيه هي دورة بضاعية (نقد – بضاعة – نقد) وهو يختنق ويموت دون بضاعة. النظام الرأسمالي في الولايات المتحدة انهار قبل العام 71، وهو ما ينعكس في أنَّ دولار اليوم لا يساوي أكثر من ثلاث سنتات من دولار 1970.

ما يجدر ذكره في هذا المقام هو أنَّ النظام الرأسمالي في الولايات المتحدة لم ينهر بسبب الحرب العظمى وعقبها ثورة التحرر الوطني كما النظام في فرنسا وبريطانيا، بل ازداد عمقًا واتساعًا بسبب الحرب، لكنه انهار خلال فترة قصيرة جدًا 1945 – 70 بسبب السياسة الحمقاء التي أسس لها مجرم الحرب ترومان وقامت على تكريس كل فوائض الإنتاج للنظام الرأسمالي المزدهر في نهاية الحرب لمحاربة الشيوعية وهو العكس تمامًا من السياسات الإمبريالية.

دأب رؤساء الولايات المتحدة على إنفاق كل ما توفر من فوائض الإنتاج على محاربة الشيوعية. بدأ ذلك بمشروع مارشال في العام 47 وتم بموجبه إنفاق 12.5 مليار دولار في أوروبا الغربية من أجل مقاومة الشيوعية، وهوما يعادل اليوم 300 مليار؛ وإنفاق أموال طائلة في توضيب وتسليح حلف شمال الأطلسي في العام 49، ثم حربها في كوريا 51 – 53؛ وبعدها مباشرة حربها على فيتنام 1954 – 74 حين انهزمت شر هزيمة.

في الخمسينات والستينات، كانت الإدارات الأميركية المتعاقبة تنفق أكثر من 13% من موازنتها الاتحادية كمساعدة للدول التي تعاون الولايات المتحدة على مقاومة الشيوعية. لكل ذلك يمكن القول إنَّ الولايات المتحدة لم تكن يومًا إمبريالية. كانت فوائض النظام الرأسمالي تنفق على مقاومة الشيوعية وليس على تطوير النظام الرأسمالي نفسه. حربها في كوريا وفي فيتنام لم تكن حروبًا إمبريالية كما يُستسهل الإدعاء. تصنيع اليابان وتايوان وكوريا الجنوبية وما كان يوصف بالنمور الستة لم يكن تحقيقًا لسياسة إمبريالية بل كان النقيض للرأسمالية في أميركا، فبدل أن تكون هذه البلدان أسواقًا للصناعات الأميركية باتت الولايات المتحدة السوق المفتوحة أبدًا لصناعات دول شرق آسيا، وباتت شعوب الولايات المتحدة تعتمد على جهود عمال شرق آسيا لتوفير أسباب الحياة.

مقاومة الشيوعية بكل ثمن هي ما تسبب بانهيار الرأسمالية الأميركية حتى التراب. وهنا يصح القول الشعبي عن الإدارة الأميركية في حربها على الشيوعية... "لاحنى ولحته ومن كثر عزمي جيت تحته". وتقول القراءة الموضوعية للتاريخ في هذا السياق أنَّ مقاومة الولايات المتحدة للشيوعية عملت على إطالة عمر الاتحاد السوفياتي حيث ضيقت الخناق على البورجوازية الوضيعة التي كانت قد انقلبت على الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي في العام 53 دون أنْ تدرك الإدارات الأميركية المتعاقبة ذلك واستمرت تقاتل دون هوادة نظام الحكم البورجوازي الجديد في روسيا، وهو ما ضيق الخناق على البورجوازية الوضيعة السوفياتية وعطل فعلها في مقاومة الشيوعية مما أطال عمر الاتحاد السوفياتي.

استمرت الإدارات الأميركية الحمقاء تنفق كل ما تملك في مقاومة البورجوازية الوضيعة السوفياتية المعادية للشيوعية طيلة الخمسينات والستينات ولولا ذلك لانهار الاتحاد السوفياتي في السبعينات قبل أن يصل إلى التسعينات.

أدعياء الشيوعية الأفّاقون الذين اشتهر إفلاسهم بانهيار الاتحاد السوفياتي باتوا يعلنون بكل وقاحة أنَّ ثورة البلاشفة الاشتراكية في روسيا في العام 1917 جاءت في غير مكانها وغير زمانها ولذلك انطفأت وكأن شيئًا لم يكن. وعليه بات هؤلاء الأفاقون في مؤتمر أزمير يدعون إلى استئناف النضال ضد الإمبريالية التي كانت قد تفككت واندثرت بفعل الثورة البولشفية.

نعود هنا مرة أخرى إلى لينين حين حذر في رسالته إلى زعماء الشرق الإسلامي المجتمعين في باكو عاصمة أذربيجان في العام 1921 مؤكداً لهم: "عبثًا تناضلون من أجل التحرر دون الالتحام مع البلاشفة". طبعًا ما كان ليوفر الحماية لثورة التحرر الوطني بوجه القوى الاستعمارية الغشوم سوى البلاشفة، وما كان ليطور اقتصادها سوى البلاشفة. وعليه يقوم التساؤل أمام المؤتمرين في أزمير الذين تعاهدوا على مقاومة الإمبريالية... من سيوفر لكم الحماية من عسف الإمبريالية بالغة القوة!؟ ومن سيساعدكم في بناء الاقتصاد بعد التحرر المفترض طالما ليس هناك دولة اشتراكية عظمى!؟
طبعًا أدعياء الشيوعية المفلسون لن يحاروا جوابًا، وهو ما يؤكد إفلاسهم من جديد.

عبثية التحرر الوطني بغياب الثورة الاشتراكية هو حقيقة لا مراء فيها اعترف بها كثيرون من زعماء حركة التحرر الوطني. بغياب تام للثورة الاشتراكية اليوم وهو ما يؤكده الشيوعيون المفلسون في مؤتمر أزمير سيجعل من ثورة التحرر الوطني من الإمبريالية عبثًا لا طائل منه بالإضافة لكونه خطوة إلى الخلف حيث تتعطل قوى الإنتاج دون إمكانية إعادة تشغيلها.

نقرأ الرفيق ستالين الذي عرفت البشرية الاشتراكية على يديه يتحدث في كتابه "أسس اللينينية" عن مزايا الإمبريالية ودورها في التطور وتسريع الثورة الإشتراكية فيقول: "من أجل أنْ تحصل على أعظم الأرباح، تضطر الإمبريالية لبناء السكك الحديدية والمصانع والطواحين والمراكز الصناعية والتجارية. وظهور طبقة البروليتاريا وبروز المثقفين من أبناء الشعب كما إيقاظ الوعي القومي وتنامي قوى التحرر – تلك هي النتائج الحتمية لهذه "السياسة". تصاعد الحركة الثورية في جميع المستعمرات والبلدان التابعة دون استثناء هو الحقيقة في النهاية. هذا هو النسغ الصاعد في الحيوية الرأسمالية يحوّل بصورة جذرية المستعمرات والبلدان التابعة من أنْ تكون من احتياطي للإمبريالية إلى احتياطي للثورة البروليتارية ".

لئن كانت الثورة الاشتراكية لم تعد حاضرة، وهو ما يفترضه أدعياء الشيوعية المفلسين، فذلك من شأنه أنْ يؤكد الدور الإيجابي للإمبريالية كما بيّنه ستالين مبكرًا في العام 1924.

وأخيرًا فإنَّ دعاوى الإمبريالية المستجدة دون داعٍ إنما هي ستارة شفافة لا تستر إفلاس أدعياء.