|
على الصعيد الفردي أنا إنسان منتمي، أي لست حياديًّا على الإطلاق، لست حياديًّا
لأنني أقف دائمًا مع الحق، والحق لم يكن يومًا إلى جانب إنسان واحد من دون غيره أو
مجموعة أو طائفة أو حزب أو عقيدة أو قضيّة من دون غيرها.
"اعرفوا الحق والحق يحرّركم"، لذلك أنا إنسان متحرّر لأني مع الحق، وانتمائي هو
للحق أينما كان ولا مكان للحياد عندي بموضوع الحق.
في الدول.
_____________
بعد الحرب العالميّة الأولى تأسست "عصبة الأمم" في العام 1919، وقد نعتها الحرب
العالميّة الثانية التي على أثرها، ولترميم الأرض من ويلاتها، تأسّست "منظّمة الأمم
المتّحدة" في العام 1945 وتتكوّن الآن من 193 دولة.
وعلى أثر الحرب الباردة بين الاتّحاد السوفياتي السابق والولايات المتّحدة
الأميركيّة وتأثير تلك الحرب الجديدة الوجه، تداعت بعض الدول إلى مؤتمر في باندونغ
عام 1955 كان من أهدافه وقف تداعيات الحرب الباردة بين الجبّارين على بقيّة دول
العالم، وانعقد أول اجتماع لـ"دول عدم الإنحياز" في بلغراد عام 1961 بحضور 25 دولة،
ووصل عدد الدول المشاركة لاحقًا إلى 118 دولة.
دول عدم الإنحياز هذه قادها عمالقة في السياسة والحجم يومها سوكارنو وجوزيف بروس
تيتو وجواهرلال نهرو وجمال عبد الناصر وغيرهم... وقد اتّخذت مواقف جريئة في موضوع
الحياد، إلاّ أنَّ تلك المواقف لم تصمد بسبب الهيمنة الواضحة التي كانت للقوّتين
الجبّارتين يومها ممّا أدّى إلى انفراط العقد وتبعثر الدول ولاء وانتماء إلى
الاتّحاد السوفياتي من جهة وإلى الولايات المتّحدة الأميركيّة من جهة ثانية.
دول حياديّة
-------------
في العالم دول حياديّة معترف دوليًّا بحيادها... أولاها كانت السويد في العام 1814، ثمَّ سويسرا في العام 1815، إيرلندا منذ استقلالها عام 1922، كوستاريكا عام 1949، النمسا 26 تشرين الأوَّل 1955، تركمانستان وليشنشتاين. وفي هذا السياق يصعب التحدّث عن المناخات التي أوصلت تلك الدول إلى الوصول للحياد لأن ذلك يتطلّب شرحًا يوازي عشرات الصفحات وفي بعضها مئات الصفحات.
في لبنان
-------------
لبنان الدولة العضو والمؤسّس في "جامعة الدول العربيّة" والذي على عداء مع إسرائيل
التي تطمع بمياهه العذبة وأرضه وبحره وكل ما فيه من خير، هو وفق الدستور يعيش بجوار
دولة مغتصبة وطامعة شنّت عليه حروبًا عدًة كما هي تنتهك أجواءه يوميًّا لأكثر من
مرّة على مدى سنوات العداء عدا عن انتهاكاتها البرّية المتكرّرة لأراضيه.
إذن، لبنان في الموضوع الإسرائيلي ليس حياديًّا على الإطلاق.
في الموضوع الداخلي، يعيش لبنان تحت ما يسمّى بـ "الديمقرطيّة التوافقيّة"
وبصلاحيّات محدودة لرئاسة الجمهوريّة وبمواد دستوريّة عديدة يلزمها تفسير قانوني
واضح يسقط كل اجتهاد بحقّها عند كل تطبيق. وهذه "التوافقيّة" اعتبرها السياسيّون
انعكاسًا للثماني عشرة طائفة تعيش في لبنان والتي لكل منها قانونها الخاص للأحوال
الشخصيّة، والدولة في هذا الموضوع تأتي بالمرتبة الثانية!
قبل طرح موضوع الحياد علينا أنْ نشير إلى ولاءات الطوائف للخارج، هذه الولاءات
المتجذّرة تاريخيًا في تكاوين اللبنانيّين... الطائفة المارونيّة قلبها على فرنسا
ولها علاقات معها تعود لخمسمئة سنة، الطائفة السنّية قلبها على المملكة العربيّة
السعوديّة ومصر وسابقًا على سوريا وتركيّا، الطائفة الشيعيّة قلبها على العراق
وحاليًّا إيران، وطائفة الموحدين الدروز إنكلترا، والأرثوذكس روسيا و... و...
وحاليًا الولاءات شرقًا وغربًا في خليط عجيب غريب.
في ظل هذا النظام المفلس والذي لم يعلن إفلاسه رسميًّا بعد، إلى أي حياد نريد أن
نذهب بلبنان إليه؟
الحياد الإيجابي يبدأ بالتماسك الداخلي، أي بالمواطنة. والمواطنة لا تكون إلا بدولة
مؤسّسات وقانون، وهذه لن تتحقّق إلاّ بالدولة المدنيّة العلمانيّة التي تبدأ بتوحيد
قانون الأحوال الشخصيّة الذي وحده يؤمن المواطنة ويفكّك الولاءات الطائفية للخارج
لأنه يبعد الخوف على المصير.
أمّا الحياد بالمطلق فهو غير موجود، والدولة تستطيع أن تكون حيادية عندما تنحاز إلى
الحق شرط أنْ تكون المواطنة قد ترسّخت في أبناء شعبها.
|
|
| لطفا إدعم الصفحات التالية |
| المزيد من مقالات العدد 45 |