أين يذهب الذُباب ليلًا؟

 

 

لا يلهو الذباب فوق القاذورات، ويدس خرطومه فيها ليقتات منها، بل، وعلى الحلوى أيضًا، يبحث عن قوت يومه، تراه مثلي لا يكف عن البحث، يراوغ ويغامر بحياته في أحايين كثيرة، يلتصق على زجاج النوافذ كما يفعل على وجوهك ووجهي ــ وعلى وجه بنت عم صديقك أيضًا ــ لا فرق عنده بين سطح وآخر، بين منزل أو جامعة، أو بين بستان وقبر! الكل سواء، في حضرته! عليه أنْ يحلق ويغني غنوته البائسة تلك ــ ما نسميها نحن البشر "زن" ــ ليدرك قطعة من الآيس كريم تعلو قرطاسًا من البسكويت في يد طفل غفلت أمه عنه للحظة، لينقض عليها من إحدى الزوايا الخفيه فيها، ويمتص أكبر كمية من السائل المثلج قبل أنْ تطوله عين الأمّ، أو صحيفة الأبّ الجالس بالجوار يقرأ عموده المفضل.

كم هذا بريء؟!، كائن يبحث عن طعام! هذا كل ما في الأمر... أليس كذلك؟ ودفاعًا عن الذباب، وعن أي حشرة تبحث عن حقها في الحياة، أقول: هذا الكوكب ليس حكرًا على أحد، ولا يوجد فضل من كائن على كائن آخر... نحن شركاء.

أعرف جيدًا أنَّ الذباب ــ وللأسف الشديد ــ لن يقرأ ما أكتبه دفاعًا عنه، وعن حقه في الحياة، الحقيقة أنه لا ولن يهمه كلامي الفارغ هذا عنه، لأنه الأرقى بجهله عن ما يتعلمه الإنسان، فلا ولن تحاول ذبابة أنْ تسلك سلوك البشر، ولكنَّ البشر الأدنى بعلمهم هم من سلكوا سلوك الذباب، أنت ذبابة... أنت حشرة. هكذا ينعت وينهر الساسة بعضهم البعض في أكبر المحافل الدولية سرًا وعلانية ويلعنهم اللاعنون ــ إلَّا من رحم ربي ــ ، ورغم وضعهم الحساس بما أنهم من يديرون مصالح البلاد والعباد، هم أكثر البشر قربًا من صفات الذباب!... لماذا الساسة وحدهم هم من يديرون مصالح البلاد والعباد؟... أترك لك هذا السؤال لتتأمله.

ومع ذلك، يعرف الذباب أنه ملوث وناقل للأمراض، سريعًا يبتعد إنْ طلبتَ منه بحركة يد الذهاب، وعلى العكس تمامًا، يلتصق الساسة والحكام على وجه الأوطان بغراء نحسه في البداية أنه أبدي، ولكن بالتجربة العملية تعلمت الشعوب بأنه ينفك، والفارق الجوهري بين الكائنين هو أنَّ الأول يمارس حقه في الحياة، أما الثاني يلتصق سالبًا حق الحياة من البشر!... إذن أيهما أرقى؟

ولشعب مصر تجارب في التاريخ الحديث في هذا السياق، الأولى ثورة 1919 المجيدة، وما أعقبها من أحداث قيدت استكمالها وتحقيق أهدافها المشروعة، والثانية 25 يناير المجيدة، وما أعقبها من أحداث كبحت نموها بوصول جماعة "الإخوان المسلمين" الإرهابية إلى سدة الحكم، ما أدى إلى نزول أكثر الشعب المصري إلى الشارع ــ وأنا منهم ــ محتجًا على تحويل مصر إلى دولة دينية راديكالية، وقام بعزل الإخوان من حياته الاجتماعية والسياسية نهائيًا في 30 يونيو الموجه الثانية من ثورة 25 يناير، والتي أخفقت هي الأخرى، وفشلت ـ إلى الآن ـ بأن تأخذنا إلى دولة مدنية علمانية تقوم على مبادئ العدل وتفعيل الدستور والقانون وضمان الحرية لكل شعبها من دون تمييز.


أن تتذابب هذا شأنك، بينما الإنسان يمتلك من الوسائل التواصلية الكثير، وأنتج عبرها أفكارًا نمذجت حاضره وعمقت وجوده فيه عبر تاريخه، متخذًا من المفاهيم المتاحة له نوافذ وأبواب للمرور إلى نطاق التحقق الفردي، وللذوبان في مجتمعه المحلي أو الإقليمي أو العالمي، لذلك، أعتبرُ نفسي متشائمًا، حينما يصبح التفاؤل ــ في حاضرنا البائس ــ درب من دروب اللامبالاة والسفه والهزل والعبث، ويصبح التشاؤم فعل مقاومة قادرًا على كشف قبح التفاؤل المزعوم هذا، ومحو أثاره اللزجة من فوق مسامع وعيون بالأحرى عقول البسطاء الحالمين بلقمة عيش نظيفة ووطن لا يلوثه البشر الذباب.

أنظر، الكوب فارغ بالفعل! ما يراه البعض مجرد سراب، أو انعكاس للصورة الذهنية المسبقة التي تؤكد امتلاء نصف الكوب بالماء، كل ما عليك فعله هو أنْ تقترب أكثر من هذا الكوب المزعوم، وتمسكه بيدك، وتعيد فحصه بنفسك، أشك في أنْ تجد الكوب هذا من الأساس، حيث أعتبره في حقيقة الأمر خدعة في الطريق، أو حيلة ذهنية أطلقها أحدهم في عالمنا ليحددنا في اطار صفتين واهيتين لا تليق بالعمل السياسي، فإما أن تكون متفائلًا ـ ما يعتبر ايجابًيا ـ وإما أنْ تكون متشائمًا ــ وهذا الجانب السلبي ــ فبعيدًا عن نية مؤسسها، تلك القاعدة لا تعدّ حجة عقلية خالصة، أو قادرة على فرز الأمور وتفكيكها، وإنْ كنت ـ يا صديق ـ قد وجدت الكوب المزعوم هذا، وفحصته بالفعل ووجدت نصفه ممتلئ حقًا بالماء، أحرضك الآن على التشاؤم بقوة، حتى لا نقف عند حدود النصف تلك، ونملء هذا الكوب بالماء عن آخره، وتنتهي تلك الحيل الخبيثة من حياتنا، التي لا بدَّ لها من أنَّ نتعامل مع واقعيتها بقليل من العقل النقدي في أبسط الأحوال ــ أي التشاؤمي بلغة المتفائلين الجالسين حول كرسي الحاكم ـ، إنْ كنا لسنا بفاعلين... الآن.

ومع ذلك، لا يمكن تخيل العالم بدون ذباب، حيث لا مبرر لوجوده سوى أنه موجود! كما لا يمكن تصوره ـ بالضرورة ـ بدون أشباهه! ومن سلك سلوكه المتطفل، ومن هذه الرؤية، أستطيع أن أصل لنتيجة مفادها ضرورة تفعيل عملية توزيع "الفقد" بتساوي يضمن محو تكرار الرذائل، وصده بقانون ــ لا شك في أنه إنساني بحت ــ يحمي كل الأطراف، المتسبب، ومن وقع عليه الرذيلة.

ولعل كثير من المنظرين والفلاسفة مال لفكرة العدل وتوزيع "الأخذ" بتساوٍ مُرضٍ، وأرى أنها فكرة بالية، وغير منصفة ومضللة وتصل إلى مستوى الجرائم الفكرية، ولا بد من مراجعتها على مستوى عالمي، حيث أنَّ العدل لن يتحقق كما ــ حلم الحالمون ــ إلَّا إذا حققناه أيًضا في توزيع "الفقد".

فإذا أمطرت السماء على بركتين إحداهما جفت عن آخرها، والأُخرى كان الماء فيها عصي على الامتصاص، بعد انقطاع الإنهمار... ماذا تتوقع؟ مؤكدًا أنَّ واحدة سوف تمتلئ وتفيض والأُخرى ستظل ناقصة، واحتمال امتلاءها يكاد يكون مستحيلًا.

فالذبابة المتطفلة التي أطلقت خرطومها على آيس كريم الطفل وامتصت منه بالفعل، اكتفت من سائله المثلج، ولم يخطر ببالها أنْ تحوم حول القطعة الأخرى المزروعة في يد أخت الطفل الجالسة بجوار والدها المثقف قارئ الصحيفة، وبفحص هذه الدلالة سنلحظ أنَّ ما يقع من سلب تحدد في إطار زمني مشحون بعوز ما طال الذبابة، ويتكرر كلما احست بالجوع، هنا لا يمكن أنْ نعاقب احتياج الذبابة، لكن من الممكن، أنْ نأخذ قليلاً من آيس كريم الأخت، ونتركه بجوار طابور النمل الزاحف خلف كرسي الحديقة! ولا يقترب هذا الطرح من قريب أو من بعيد من الفكرة القائلة "المساواة في الظلم عدل"، وإلَّا كان على الأب الامتناع عن شراء الآيس كريم لأولاده من الأساس، وكان علي ـ أنا ـ أنْ أزيح البركتين من تحت السماء الماطرة! أو على أقل تقدير أردمهما. هنا توزيع الفقد يهدف لتحقق العدل الشامل، وليس لتحقق الفقد للفقد.

ومع ذلك، يختفي الذباب من حياتنا مع غروب الشمس يوميًا، ويذهب ليلًا إلى مخبأه السري، تارًكا لنا سلوكه المتطفل السالب يتجدد في عالمنا الإنساني دون توقف.