خطوة الضم آتية
ماذا بعد؟

 

 

من الصعب التوقع أنْ تتراجع دولة الاحتلال عن قرارها بضم أجزاء واسعة من أراضي الضفة الغربية، فتنفيذ الضم بالنسبة لإسرائيل مسألة وقت فقط. وتشير تصريحات قيادات الكيان الصهيوني إلى أنَّ نية الضم لا تزال قائمة. فخطوة الضم ما هي إلَّا تتويج بالشرعنة لإجراءات الاحتلال في الضفة الغربية من استعمار للأراضي وبناء للمستعمرات ونقل المستعمرين اليهود إليها وشق الطرق ومصادرة الأراضي على مدار أكثر من خمسين عامًا نفذتها الحكومات الإسرائيلية المتتالية.

وهناك عدد من المتغيرات التي ترجح إقدام إسرائيل على ضم مناطق في الضفة الغربية خلال الفترة القريبة المقبلة، يأتي على رأسها وجود الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) في السلطة، وعدم اليقين من إمكانية انتخابه لدورة إنتخابية ثانية. ويعتبر التقارب الواضح في علاقة إسرائيل مع عدد من الدول العربية في الآونة الأخيرة من بين العوامل المشجعة لإسرائيل للمضي قدمًا لتنفيذ مخطط الضم. كما أنَّ انتشار فايروس كورونا بشكل ملفت في أوساط الفلسطينيين في الضفة الغربية يعتبر من بين العوامل المشجعة لإسرائيل لاستكمال مخطط الضم. فانتشار الفايروس من شأنه أنْ يحد من ردود الأفعال الفلسطينية الغاضبة تجاه تنفيذ الضم. وعلى الرغم من رفض معظم دول العالم لخطوة الضم الإسرائيلية، وعلى رأسها دول غربية كبرى حليفة لإسرائيل، كالمانيا وإنجلترا، وتهديدها باتخاذ إجراءات شديدة في مقاطعة إسرائيل، في حال تنفيذها تلك الخطوة، إلَّا أنه من المستبعد أن تقدم تلك الدول على اتخاذ إجراءات صارمة أو حاسمة بحق إسرائيل. فهذه الدول لم تقدم على اتخاذ مثل تلك الإجراءات ضد إسرائيل من قبل، رغم انتهاكاتها المتكررة للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية طوال سنوات سابقة.

من المرجح أنْ تقدم إسرائيل على تنفيذ خطة الضم بشكل متدرج. فطالما اتبعت إسرائيل سياسة التدرج والعمل على مراحل لتحقيق أهدافها. فقبل (بن غوريون) بخطة لجنة بيل للتقسيم عام 1937، معتبرًا التقسيم خطوة مهمة في سبيل تحقيق الهدف الصهيوني. كما أنَّ الحركة الصهيونية نجحت بشكل متدرج في تغيير الواقع الديمغرافي في فلسطين، عبر استعمار الأرض وتكثيف الهجرة الصهيونية وطرد السكان الفلسطينيين بالقوة ما بين عامي 1907-1947. ونجح الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1967 وعلى مدار سنوات طويلة وبشكل متدرج في خلق واقع مختلف في أراضي الضفة الغربية من خلال تشييد المستعمرات وتوسيعها وإقامة الطرق الواصلة بينها وزيادة عدد مستعمريها. واليوم تسعى إسرائيل لضم نصف أراضي الضفة الغربية والتي يسكنها أكثر من ثلاثة أرباع مليون مستعمر يهودي.

وانتقت إسرائيل الجزء المتعلق بالضم من خطة صفقة القرن التي وضعها فريق الرئيس الأمريكي (ترامب)، بينما تستبعد إسرائيل أجزائها الأُخرى. فرفض (بنيامين نتنياهو) رئيس الوزراء الإسرائيلي طرح موضوع قيام الدولة الفلسطينية على الأراضي المتبقية بعد الضم للتصويت في الكنيست. ويريد (نتنياهو) أنْ يحصد المكاسب المترتبة على عملية الضم لإسرائيل، من دون تخليه عن المكاسب التي جنتها إسرائيل كنتيجة لتوقيعها على اتفاق أوسلو. فإسرائيل تفضل بقاء الوضع السياسي والاقتصادي والأمني على ما هو عليه في الضفة الغربية، والذي أرساه اتفاق أوسلو منذ عام 1993. يأتي ذلك على الرغم من أنَّ تنفيذ إسرائيل لخطوة الضم ينسف اتفاق أوسلو من أساسه. فمخطط الضم يجعل إسرائيل تحسم منفردة القضايا التفاوضية الرئيسة المؤجله التي اطلق عليها الاتفاق مصطلح "قضايا الوضع النهائي".

ورغم أنَّ إسرائيل تسيطر أمنيًا على كامل أراضي الضفة الغربية، كما تسيطر بشكل مطلق على أكثر من 61٪ من أراضيها، وذلك حسب ما نص عليه اتفاق أوسلو، إلَّا أَّن خطوة الضم تغيير من الطبيعة القانونية للأراضي التي ستقوم بضمها. فسيطرة إسرائيل المطلقة على معظم مساحة الضفة الغربية تعتبر سيطرة مؤقته لحين البت في مصيرها من خلال المفاوضات، وذلك استنادًا إلى ما جاء في اتفاق أوسلو. إلَّا أَّن قرار الضم يحوِّل جميع تلك الأراضي الفلسطينية التي ستعلن إسرائيل عن ضمها إلى أراض إسرائيلية وبشكل دائم، مثلها مثل تلك الاراضي التي احتلتها عام 1948.

وتتطلع إسرائيل لضم حوالي نصف أرضي الضفة الغربية. فيقتطع جدار العزل العنصري، الذي شيدته إسرائيل ما بين عامي 2002-2012، حوالى 13٪ من مجمل مساحة الضفة الغربية، وضمها عمليًا لإسرائيل. ويمتد غور الأردن، الذي تسعى إسرائيل لضم 88٪ من مساحته، على حوالى 17٪ من مجمل مساحة الضفة الغربية. وتسيطر إسرائيل عمليًا وبشكل كامل على معظم مساحة الغور، وطالبت مرارًا خلال مفاوضاتها مع الفلسطينيين باستئجاره. ولا تقل مساحة المستوطنات المقامة خارج حدود جدار العزل والأراضي التابعة لها أو تقع ضمن نطاقها والطرق العملاقة التي تصل بينها عن حوالى 20٪ من مجمل مساحة الضفة الغربية.

ويمكن لحكومة الاحتلال أنْ تقدم على ضم أي جزء تريده من أراضي الغير، دون العودة للكنيست للتصديق على ذلك. إلَّا أَّن إسرائيل لا تستطيع التنازل عن أي قطعة أرض ضمتها إلى أرض إسرائيل، إلَّا بموافقة ثلثي أعضاء الكنيست، وموافقة شعبية تأتي في استفتاء عام، وذلك حسب القانون الإسرائيلي. إنَّ ذلك يجعل من الصعب على أي حكومة إسرائيلية التنازل عن أي جزء يقع ضمن نطاق أراضي دولة إسرائيل، لأنه لا بد من التصديق على ذلك من قبل البرلمان والشعب أيضًا.

من الممكن لخطوة الضم أنْ تجلب مصاعب عديدة لإسرائيل. فخطوة الضم قد توحد الفلسطينيين بعد أكثر من عشر سنوات من الانقسام الذي أطرب أعداءهم. كما أنَّ الضم قد يحفز الفلسطينيين على الانقلاب على اتفاق أوسلو بكامل تفاصيله، ووقف أي تعاون بين السلطة وإسرائيل، وهو ما سوف يضر بمصالح إسرائيل، ويغيِّر معطيات اللعبة في الضفة الغربية. كما قد يؤدي الضم إلى ظهور أدوات مقاومة جديدة لمواجهة الاحتلال، بعد أن أثبتت أدوات الفلسطينيين التقليدية عدم فعاليتها. والضم قد يولد مزيد من التعاطف الدولي مع الفلسطينيين، والذي قد يؤدي في مرحلة من المراحل إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية من قبل دول كبرى، الأمر الذي سيضر بالهدف الصهيوني.