|
ثمة مفقودات شخصية للواحد منا تتعلق بالوجود والعدم، فلا تعوّض البتة مهما
أبدينا انزعاجنا حيالها أو تأثرنا بها إلى درجة القنوط الكلي أو الإنزواء والاعتكاف
المؤقت، وأخرى تتعلق بالأشياء التي كانت بحوزتنا يوماً ومن ثم ضاعت وليس من السهولة
بمكان الحصول عليها مرة أخرى، خاصةً تلك المتعلقة بومضات القريحة وأوان عطائها،
وأخرى من الممكن أن نأتي بما كان يماثلها من خلال شراء قرائن لها، إلاَّ أننا حتى
ولو جئنا بما كان يشابه الذي فقدناه فنكون قد تجاوزنا الشغف الذي كنا عليه في المرة
الأولى.
ومن المفقودات الخاصة بي والتي لا تعوّض قط بأي ثمن وكان مسرح بعضها أثناء إقامتي
كلاجئ في تركيا، أبدأ بها حسب التسلسل الزمني، ومنها: أن والدي رحمه الله رحل إلى
ديار الحق في 18 شباط من عام 2019 وكان كله شوق بأن يعود إلى منطقة عفرين للأبد بعد
شهرين أو ثلاثة أشهر، إلاّ أن المنية عاجلته فعاد إلى المنطقة محمولاً على الأكتاف
ميتاً ولم يعد إليها حياً كما كان وكنا نتمنى؛ كما وفي آخر زيارة للوالد في المشفى
بمدينة اسطنبول التركية حاول جاهداً أن يُخبرنا بما كان يشغله، ومتشوقاً للكلام
كثيراً كان، إلا أن الجهاز الموضوع في فمه منعه من أن يبوح بما لديه، فغادَرَنا ولم
يستطع أن يخبرنا بما كان يجول بخاطره، وما آلمني أكثر حيال رحيل الوالد وقتها هو أن
الغوغائيين حظروني حينها وحرموني من الإرسال والنشر في صفحتي الشخصية فترة اسبوع
كامل، إذ بسبب غارات أصحاب التبليغات حينها لم أستطع نشر أي شيء يخص رحيل الوالد
على الفيس بوك، بينما أغلب أقربائي وأهل قريتي وبعض أصدقائي نشروا مشكورين خبر
النعوة، وأنا لم أستطع بسبب الحظر حتى التعليق على منشوراتهم.
وكذلك الأمر ففي الشهر الأول من العام الحالي وتحديداً في تاريخ يوم 4/1/2020 توفيت
والدتي في مدينة اسطنبول التركية، ومن أثر الصدمة لم أستطع كتابة أي شيء يليق بها،
بل وكل محاولاتي في كتابة مادة جيدة عنها قد باءت بالفشل، لأنه ما من شيء كتبته من
يوم رحيلها عنها إلاَّ وحذفته أو مزقته لأنني لم أجده لائقاً بالذي فعلَته وقدمته
الوالدة لأجلنا طوال عمرها، لذا توقفت عن محاولة الكتابة عنها مؤجلاً ذلك الاحتراق
الكتابي إلى فترة أخرى عساني أكون قد تجاوزت مرحلة صدمة فراقها، فأحترق في البوحِ
وقتها رويداً رويدا عساني أقترب من عتبة تضحياتها، لذا وبدلاً من مكتوباتي الخاصة
اخترت هذه الفقرة البديعة من قصيدة للشاعرة الكندية من أصل هندي، روبي كُور:
"عندما حملت اُمِّي
بطفلها الثاني،
كنتُ في عامي الرابع
أشرتُ إلى بطنها المنتفخ
مندهشة كيف صارت
ممتلئة هكذا، في وقتٍ قصير!
حملني أبي بيدين كجذعي شجرة، وقال:
أقربُ شيء إلى الله، على الأرض،
هو جسمُ المرأة
منه تنبثق الحياة.
رجلٌ بهذا النضوج،
يخبرني شيئاً قوياً هكذا
في عمري الصغير آنذاك
جعلني أرى العالم بأسره
تحت قدمَي أمي".
أما بخصوص المواجع المتعلقة بضياع الأشياء الشخصية، أذكر بأنني خسرت مواد غير
منشورة في فترات متقاربة ومتتالية أولها كان عقب اقتحام كتائب الجيش الحر لحي الشيخ
مقصود شرقي بحلب في نهاية شهر آذار من عام 2013، حيث كنت قد وضعت كمبيوتري القديم
في عُهدة الأخ آزاد والي ليقوم بإصلاحه، إلاّ أن تأخره في ذلك أدى إلى نهب
الكمبيوتر برمته من مكتبه الكائن في نفس الشارع الذي كنت أقطنه في الحي أي بشارع
المهند، ثم بعدها بفترة وجيزة كانت لي ملفات أخرى موجودة في كمبيوتر أخي الصغير
عماد فأعطى حينها الكمبيوتر للمكتب الإعلامي للمجلس العسكري الكردي في المدينة
الصناعية بحلب(الشيخ نجار) إلا أن الكمبيوتر الآخر راح بين أقدام المتقاتلين في
الحي عند هجوم المتشددين عليه؛ وقبل مغادرتنا للحارة قبيل اقتحامها بفترة كان في
جيبي يو أس بي فيه الكثير من مدوناتي ونصوصي اللامنشورة، وإذ بالشاب شيرو حسن الناشط
في تنسيقية التآخي الكردية يزورنا في منزل ابن عمي الفنان التشكيلي صلاح حميد في
نفس الحي الذي نسكنه، وحيث كنا قد انتقلنا إليه تحسباً للتعرض لقذائف النظام
القادمة من قلب المدينة، وهاونات كتائب الجيش الحر التي كانت تأتي إلى الحارة من
جهة حي هلك وبستان الباشا، وكنا قد اخترنا منزله للسكن المؤقت باعتبار أنه في شارع
فرعي ضيّق وبيته في الدور الأوّل من البناية، وقبل تهيؤ شيرو للذهاب طالَبَنا
بفلاشة ليحمّل مقطعاً من المظاهرات عليه، ولكي لا يقول بأني أتباخل في إعطائه
الفلاشة وهو الذي يعيش المخاطر كل ساعة، وينتقل بين مناطق سيطرة النظام ومناطق
سيطرة كتائب الجيش الحر، فأخرجت اليوأس بي وكررت على أسماعه عشرات المرات بأن ملفاتي
الخاصة كلها موجودة في حامل المعلومات هذا، وطالبته بأن يحافظ عليه كما يحافظ على
حياته، وهو بدوره يهز برأسه ويقول: وعد سأعيده إليك فور إرسال المقطع؛ ولكن مرت
أيام وأسابيع وشيرو لم يعد، ولا عاد الوعاءُ الذي فيه ملفاتي الشخصية، وبعد فترة
طويلة رأيته وقلت أين اليوأس بي؟ فاعتذر وقال بأنه فقده أثناء قصف النظام لحي بني زيد
بحلب، فلم أتفجر غضباً، ولا تذمرت، ولا أظهرت انزعاجي، علماً أن الحُرقة كانت
تأكلني من الأعماق باعتبار أن أفضل مكتوباتي الغير منشورة كانت في تلك القطعة
الصغيرة، ولكني لعنتُ نفسي عشرات المرات على حماقتي في إعطائه حاوية المعلومات التي
لم ترى النور ولن تراه للأبد.
وأما عن المفقودات المتعلقة بالكتب، فمنذ بدء تعلقي بالمقروءات كنت أرى بأن الأعمال
الكاملة للمؤلفين والمؤلفات ينبغي شراؤها لسببين فقط، أولهما لتوفير ثمن الكتب بما
أن الأعمال الكاملة الموضوعة في مجلد واحد عادةً ما تكون أرخص مقارنةً بنفس الكتب
إذا ما اشتريناها منفردة، والسبب الثاني شراء بعض الأعمال الكاملة لبعض الكتاب
الذين نعود كل فترة إليهم من أجل المراجعة والتأكد من المعلومات الواردة في كتبهم،
للاستئناس أو الاستشهاد بفقرات منها، ما عدا ذلك وبسبب كثرة تنقلي وقضاء أوقات
طويلة في المواصلات بقيت أُفضِّل الكتب الصغيرة في أحجامها وأعداد صفحاتها، منها
لسهولة نقلها، ومن ثم دسها في الحقيبة وحملها أينما مضيت، وكذلك لكي لا يطول الكتاب
بين يدي كثيراً فانتهي منه لأحمل غيره في حقيبتي.
عموماً فالكتب الكبيرة الأحجام نادراً ما رأيتني محتفياً بها، أو منكباً عليها في
القراءة مقارنة بالكتيبات أو الكتب القليلة الصفحات، إذ لم أجد البتة أيّة لذة في
حمل كتابٍ أشبه ببلوكة، بخلاف الأخرى التي وجدت المتعة برفقتها أينما مضيت أو
استوطنت، ولكن حتى هذه الفئة الأخيرة مُنيتُ ببعض منغصاتها، إذ ياما كنت أنسى
الكتاب أمامي على التابلو في سيارة ما أو بجانبي على الكرسي العمومي، ومن الكتب
التي نسيتها في المواصلات بسوريا، أذكر منها: كتاب ذهنية التحريم للمفكر صادق جلال
العظم، وكتاب تحرير المرأة لقاسم أمين، وكتاب الغربال لميخائل نعيمة، ورواية مديح
الخالة لماريو فارغاس يوسا، وقد أضعت معظمها في وسائط النقل بين دمشق وحلب أثناء
دراستي الجامعية بدمشق، وكذلك فقدت ديوانين شعريين في الغربة إذ نسيتهم في
المواصلات بمدينة اسطنبول التركية، أحدهم عام 2017 وكان بعنوان صلاة الوثني للشاعر
سعدي يوسف والديوان الآخر نسيته في 18/9/2018 وهو للشاعرة الدمشقية الشابة بسمة
شيخو، والذي كان تحت عنوان شهقة ضوء.
أما عن مقتنيات بيتي المتواضع الذي تركته خلفي بحلب منذ عام 2013 فلن أتحدث عن
البيت وما كان فيه، بكوني لا أعرف إلى الآن ما الذي نُهب منه أو تُلف؛ وفي الأخير
فما انتبهت إليه بعد هذا السرد هو أن الخسائر المالية رغم أهميتها بالنسبة لنا نحن
أصحاب الدخل المحدود، إلا أنه لم يكن لها نصيبٌ من التذكر قطُ في هذه المادة الخاصة
بمواجع المفقودات!.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روبي كُور/ ترجمة بشير رفعت/ مجلة الدوحة/ العدد 150.
|
|
| لطفا إدعم الصفحات التالية |
| المزيد من مقالات العدد 45 |