|
بعد التطبيع المعلن بين مشيخة الإمارات والكيان الصهيوني عاد مرة أخرى ذاك
السجال المفتعل حول نبذ التطرف والابتعاد عن الشعارات الجوفاء التي لم تخلّف إلَّا
الهزائم للقضيه الفلسطينيه ولم تزد العدو الصهيوني إلَّا قوة وتهديدًا وتوسعًا، كل
هذا تحت مظلة الواقعيه ومصلحة فلسطين والعرب. ولكنْ، لو قلبنا السؤال على عقبه
وتساءلنا عن سر تطبيل وتهليل دولة عظمى كأمريكا وتضخيمها لحدث بسيط "تطبيع حليفتها
القوية المنتصرة إسرائيل مع مشيخة هامشية مجهرية"، هي كذلك حليفتها، سنكتشف حالًا
منحى ٱخر للسجال، بعيدًا عن التبريرات الإنهزامية. فالمنطق العقلاني يقودنا إلى أنَّ
دولة قوية منتصرة كإسرائيل لا يمكنها البحث عن اعتراف دويلات ضعيفة مهزومة. وأكثر
من هذا، بإمكان دولة عظمى كأمريكا أنْ تكلف موظفًا درجة رابعة في وزارة خارجيتها
لجر كل حكام الخليج من لحييهم إلى القدس وتفرض عليهم الاعتراف ودفع الأموال
لربيبتها إسرائيل (وهذا يحصل منذ نكبة فلسطين). فلماذ إذن كل هذه الحملة الممنهجة
لتضخيم التطبيع بين الإمارات وإسرائيل، والذي هو عبارة عن زواج كان سريًا فأصبح
علنيًا، ولماذا انطلقت معه سجالات التشكيك في جدوى المقاومه باسم الواقعيه وكأن
حكام الخليج تحولوا بين ليلة وضحاها من عملاء أغبياء تتندر شعوبهم بحماقاتهم وجهلهم
إلى حكماء عقلاء أدركوا مصلحة الشعب الفلسطيني والأمة العربيه، فهل يستقيم هذا
المنطق الأعرج؟
الجواب هو قصر النظر لبعض النخب بجرها للهزيمة والاستسلام عبر الإعلام. وإذا سقطت
ثقافة المقاومه فتلك أخطر الهزائم، وسنبين في بقية المقال أنَّ أمريكا وإسرائيل
ليستا في الوضع المريح للمنتصر الذي يضعهما فيه بعض منتسبي النخبة. ولهذا تحديدًا
تبحث أمريكا لربيبتها عن حلول وثغرات ولو صغيرة كالتطبيع مع دويلة مجهرية لتجعل منه
انتصارًا رغم إدراكها أنْ لا قيمة له، لكنها تروج له وتضخمه زورًا في محاولة لزعزعة
ثقافة المقاومه.
موقع القضيه الفلسطينيه التحرري
مرت حقبة المقاومه التحررية المسلحة التي دامت من خمسينات وأواخر القرن الماضي
وانتهت بانتصار عديد المقاومات كفيتنام والجزائر وكوبا وغيرها وفشلت الفلسطينيه
منها لخصوصيات الاستعمار الاستيطاني من جهة، ولعوامل ذاتيه من جهة أخرى (وهذا ليس
موضوعنا هنا ولسنا بديلًا عن القوى الوطنيه الفلسطينيه لتقييم تجربتهم وكيفية إعادة
بناء مقاومتهم)، لكنْ ليس مبررًا جلد الثورة الفلسطينية ونهش تاريخها وشهدائها
وتضحيات أبطالها لتبرير صفقات الاستسلام والتسليم لقوى رجعية متخلفة معادية لطموحات
الشعوب العربية لقيادة التفاوض باسم شعب مشرد مظلوم سلبت أرضه ووطنه باسم الواقعيه
التي تستند لتزوير مفضوح للتاريخ والجغرافيا وتريد تأبيد المشروع الصهيوني وتيئيس
وإحباط أية مقاومه.
لا وألف لا، فالحق حق طال الزمن أو قصر، فشلت المقاومة أو انتكست، نجحت الصفقات
والمعاهدات أم فشلت، فلن يفلح أحد في تزييف الحقيقة، حقيقة أنَّ الدولة الصهيونية
هي مشروع استعماري فاقد لمقومات الدول والشعوب على حساب شعب له جذور وتاريخ، لأنَّ
التاريخ الإنساني ربما يصمت ويتغاضى ظرفيًا، لكنه لن ينحرف عن مساره كتاريخ يؤرخ
للواقع كما هو، خاصةً وأنَّ العلم تطور لدرجة أصبح بإمكانه تصحيح تاريخ قديم مر منذ
ٱلاف السنين عبر التشريح والأركيولوجيا والتحليل الجيني وغيره من تقنيات العلوم،
فما بالنا بتاريخنا المعاصر الذي تحول فيه العالم إلى قرية صغيرة بفضل العلوم
وتقنيات الاتصالات المذهلة.
الشعب الفلسطيني حقيقة تاريخية موضوعية جغرافية اسمها فلسطين، حتى لو انهار بعض
أهلها وخدعتهم الدعايه الغربيه، أما اليهود فهم كيان ديني مفكك ثقافيًا وسياسيًا
وعرقيًا وجغرافيًا جُمِعَ وزُرِعَ في فلسطين لتحويله إلى قومية، وأسست له دولة
معسكرة لتمكينه من السياده في المنطقه، ولهذا السبب بالذات يعمل المهندس الاستعماري
الغربي لتمكينه من البقاء عبر انتزاع اعترافات ولو من هوامش ضعيفة كمشخيات الخليج
لأنه، أي الغربي، يدرك أنَّ اسرائيل ليست لها مقومات الدولة واليهودية ديانة لا
يمكنها أنْ تتحول إلى قومية وشعب متجانس، فهل أدركتم سر تضخيم وتهليل دوله عظمى
كأمريكا لحدث التطبيع مع مشيخة الإمارات المجهرية؟ لأنَّ دولة الكيان الصهيوني هي
مشروعهم الاستثماري الاستعماري في المنطقة، بعد مرحلة الاستعمار المباشر الذي انتهى
بمرحلة انتصار حركات التحرر المقاومة، ويدرك هذا الغرب أنْ لا مقومات موضوعية لبقاء
هذا الكيان دون قوة الحديد والنار وصناعة أنظمة ونخب محيطة على المقاس تقبل تمرير
المشروع بالتزييف والخداع لتثبيت هذا الكيان لتظل منطقة الحوض الجنوبي للمتوسط
وأفريقيا تحت السيطرة الغربية بعد قبر حقبة الاستعمار المباشر.
سيحاجج البعض مستغربًا ومشككًا في أهمية علاقتنا كتونسيين بقضية فلسطين وسيركنون
لتبرير العزلة والنأي عن قضيه تهم أهلها ولا تهم بلادنا مباشرة. لهؤلاء نقول إنَّ
زرع الكيان الصهيوني في المنطقة ليس حبًا باليهود (اليهود ضحايا ووقود لوحوش الجشع
الرأسمالي) بل هو مشروع استعماري يستهدف لا فقط الشعب الفلسطيني بل لتظل كل شعوب
المنطقه تحت المظلة الغربية بزرع التخلف والجهل والتبعية والحروب والفتن للحيلولة
دون تحررها ونموها وازدهارها وتنعمها بالسلم والأمن، ولكم في مثال الكيان العنصري
في جنوب أفريقيا الذي هو التوأم للكيان الصهيوني والذي كان دوره زعزعة الاستقرار في
أفريقيا وتوليد الحروب الأهلية من بعضها وتدمير الدول، ومنذ انتصر المؤتمر الأفريقي
بقيادة مانديلا بإنهاء حكم التمييز العنصري استقرت الشعوب الأفريقية المحيطة وحققت
نموًا اقتصاديًا مذهلًا وسلًما اجتماعيًا وحياة سعيدة لشعوبها، وسقطت الكذبة
العنصرية لتحقير السود بألا نمو واستقرار دون الجنس الأبيض المتفوق وتأييد التبعية
للغرب.
المقاومه تنتصر إن كنتم لا تدرون
صحيح أنَّ المقاومة المسلحة فشلت في التحرير وانتقلت البندقية من هجومية إلى دفاعية
محاصرة، وصحيح أيضًا أنَّ الوحدة الوطنية الفلسطينية تعاني من الانقسامات والتشظي
والاختراق، لكنَّ الصراع مع العدو الصهيوني لم ينتهِ إلَّا في عقول صغار المقاولين
عند الأمريكي والمستثمرين في القضية الفلسطينية. أما شعوب المنطقة ونظمها الوطنية
فقد واصلت صدامها مع العدو سواء عسكريًا كالمثل اللبناني أو انتفاضيًا كما في
الأراضي المحتلة أو سياسيًا واجتماعيًا بالتصدي لأي اختراق عبر التطبيع والشراكة
معه في باقي الدول العربية. ولعل شلل اتفاقيات كامب دايفيد وفراغها من محتواها بفضل
رفض الشعب المصري ومقاطعته لها، أكبر دليل على قوة المواجهة. نعم الصىراع مع العدو
انتقل من المواجهة العسكرية المباشرة التي فشلت كل جولاتها نتيجة تفوقه التقني
وبقوة السند الأطلسي إلى مرحلة انهاكه بالانتفاضات ومحاصرته سياسيًا بالعزل الأممي
ومواجهة مظاهر التطبيع ومحاصرة كل مشاريع التسوية معه. ولهذا السبب بالذات تبادر كل
ادارة أمريكية جديدة بتقديم صفقة جديدة لكسر العزلة الاقليمية والدولية عن إسرائيل،
وٱخرها عملية التطبيع مع مشيخة الإمارات.
نأتي الآن إلى الانتصار الأهم في المواجهة مع العدو الصهيوني الذي بدأت معالمه
تتكشف بعد الانقاذ المصري والصمود السوري واللبناني واليمني عسكريًا، وقريبًا تونس
وليبيا، بعد الإطاحة بأدواته الإخوانية، أي فشل مشروع الفوضى "الخلاقة" الذي أريد
له بناء الأمبراطورية الصهيونية على حطام الدول العربية بأنظمتها الوطنية، وحتى
الدول التي تسبح في الفلك الغربي كتونس ومصر، كلها كان مبرمج لها التحطيم من داخلها
لتتحول إلى إامارات إخوانية وطوائف مستقلة وجزر صغيرة تتحكم إسرائيل في إدارتها.
هذا المشروع الخطير الذي انطلقت شرارته من تونس في غفلة من الجميع بخدعة إعلامية
جيرت الانتفاضة التونسيه بلون الثورة ودفعت بضخ إعلامي غير مسبوق لنشر الفوضى في
مصر وليبيا وسوريا واليمن وكادت تتمدد إلى دول الخليج رغم وجودها تحت الخيمة
الأمريكية، ما حفز الجيوش الوطنية في مصر وتونس والجزائر وغيرها للاستنفار لحماية
دولها، أما في سوريا فقد تطور الصراع إلى درجة الاستقطاب الدولي بين الغرب والشرق.
إنَّ مشروع الفوضى هذا، لو قدر له النجاح، لتحولت إسرائيل الصغيرة إلى أمبراطورية
خطيرة على العالم بأكمله، بما تمتلكه من أسلحة فتاكة ودعم أطلسي غير محدود، لكنَّ
صمود الشعوب العربية والجيوش الوطنية ودعم الأقطاب الصاعدة كالصين وروسيا ودول
البريكس، كلها عوامل ساعدت على إجهاض المشروع الصهيوأطلسي المدمر الذي بدأ يحتضر،
ونتمنى كما بدأ من تونس أن يقبر في تونس، وهذا قريبًا بفضل مقاومة التونسيين، وهو
ما يعتبر بلغة الصراع نصرًا كبيرًا لا توازيه حتى الانتصارات العسكرية في المعارك.
لأنه يمكن أن يتحول لنقطة انطلاق لتحرر ثقافي حضاري اذا التقطت النخب التقدميه
لحظته.
التحولات المرتقبه في النظام الدولي
إسرائيل، هذا الكيان المصطنع والتي ينفخ في صورتها الإعلام للتضليل عن حقيقتها، هي
صنيعة النظام الدولي الذي أعقب الحروب الكونية الأولى والثانية، ولا علاقة لوجودها
بالتاريخ والأرض واليهود، بل وجدت كقاعدة استعمارية متقدمة للابقاء على الهيمنة
الغربية على المنطقة حتى لا يتحول استقلال دول المنطقة إلى تحرر فعلي، لأنَّ
الاستعمار المباشر لم يعد ممكنًا مع صعود حركات التحرر ووجود المعسكر الاشتراكي
الداعم لهذه الأهداف الجيواستراتية الأطلسية وجدت اسرائيل كقاعدة عسكرية سياسية
استيطانية على حساب أصحاب الأرض الفلسطينيين بتشريدهم وتوطين اليهود مكانهم في كيان
مفكك غير متجانس هجين وفاقد لمقومات المجتمعات العادية من ثقافة وتاريخ وأرض
وقومية.
لهذه الأسباب مجتمعة يعمل الإعلام الغربي على إيهام الرأي العام بأنَّ اسرائيل دولة
عادية كباقي دول المعمورة، بل يدعمها الغرب الأطلسي بكل إمكانات القوة العسكرية
والمالية والسياسية لإظهارها الأقوى والأرقى، ويبادر لطرح التسويات مع محيطها، وفرض
الاعتراف بها، ويطبل ويضخم أي اختراق حتى لو كان صغيرًا، كحالة التطبيع مع مشيخة
الإمارات اليوم، حتى يضمن بقاءها أكثر ما يمكن، ولهذا السبب نقول إنَّ معركة التصدي
للتطبيع هي المعركة الفاصلة التي ستحسم الصراع مع العدو، فإما تٱكل هذا الكيان
داخليًا وعزلته خارجيًا لينتهي تدريجًا الرهان الأطلسي عليه ويتوج بانتصار محور
المقاومة والممانعة والصمود وعودة الشعب الفلسطيني إلى أرضه وبناء دولته الوطنية
الديمقراطية على أنقاض هذا الكيان، وإما استدامة الصراعات والحروب والأزمات وعدم
الاستقرار للمنطقة العربية من محيطها لخليجها. (ملاحظة: لسنا هنا في وارد الحديث عن
مصير اليهود المستوطنين أو الحديث عن رميهم في البحر كما يتحدث غلاة الشعارات، هذه
تعقيدات تضمن حلولها القوانين الدولية والإنسانية ولا علاقة لها بجوهر الصراع حتى
نقحمها من الآن لتبرير التخلي عن المقاومة).
ما لم يدركه دعاة التطبيع والتسوية مع العدو الصهيوني (للأسف بعضهم قصيري النفس من
قوى اليسار) أنَّ النظام الدولي الذي أسس لاسرائيل بدأ يتٱكل وتفاقمت أزماته
الاقتصادية وانعدمت أمامه وسائل الانقاذ من استعمار مباشر وهيمنة، مما سيجبر قادته،
وعلى رأسهم أمريكا، على مغامرات حربية انتحارية أو التقوقع والانسحاب لتفادي
الانهيار أمام الصعود الصيني الروسي وباقي دول العالم الثالث. ونسأل هنا: إذا انسحب
الصانع وانكفأ فكيف ستصمد الصنيعة إسرائيل؟ (ما أوردناه عن الأزمة الهيكلية للنظام
الرأسمالي ليس من أمهات أفكارنا بل من استراتيجيي البيت الأبيض الأمريكي وقادة
أوروبا وإسرائيل وبعض المفكرين العرب مثل الاقتصادي سمير أمين).
في النهاية يمكننا الإيجاز بأنَّ النظام الدولي الذي جاء بالكيان الصهيوني استنفد
قدراته في حلحلة أزمات العالم الاقتصادية والسياسية، واقتنع الجميع شرقًا وغربًا
بضرورة تغييره لتفادي الانهيارات الكبرى والحروب المدمرة، ويدرك القادة الصهاينة
أنَّ وضعهم في النظام الدولي القادم لن يكون مريحًا، وأنَّ ترسانتهم العسكرية
والنووية ستصبح خردة لا يمكنهم استعمالها أو التهديد بها، وسيفقدون كل أوراق القوة
التي اعتمدوها للبقاء، وهو الخطر الذي يستشرفه قادة الصهيونية، فبلا حروب ستتفكك
دولتهم الكيانية.
رسالة التطبيع الإماراتية
رغم التضخيم الإعلامي لحدث التطبيع هذا، لا ينطلي على العقلاء العارفين، لأن بقاء
حكام الخليج وديمومة حكمهم مرتبط عضويًا بالتحالف مع الحلف الصهيو-أطلسي سرًا
وعلانية، إلَّا أنَّ ثمة رسالة مبطنة لم ينتبه لها إلا أصحاب الشأن وهي هذا التغيير
المفاجئ في العلاقات الإسرائيلية الخليجية، ونقصد تحويل الرهان من قطر المشغل
والممول الرئيس للتنظيم الدولي للإخوان الذي كلف بقيادة مشروع الفوضى كما تحدثنا
عنه سابقًا إلى الامارات المناوئة للصعود الإخواني، لا ندري سر هذا التحول حاليًا
لكنْ يمكننا الجزم أنه لن يخرج عن تٱمر جديد على المقاومة والقضية الفلسطينية يكون
عرابه هذه المرة الإمارات والسعودية عوض قطر، وأدواته أطراف سياسية نقيضة للإخوان
الذين وقع التخلي عن خدماتهم بعد فشلهم وسقوطهم السياسي بانكشاف تآمرهم لدى شعوب
المنطقة.
بناءً على ما تقدم، على قوى المقاومة والقوى الوطنية التيقظ والحذر من خفايا
المشروع الجديد للصهيونية لاختراق الدول والمجتمعات العربية، وكشف الأدوات الجديدة
من أحزاب وساسة ومجموعات ستديرها الإمارات وتمولها، كما كانت قطر قد فعلت بالإخوان.
|
|
| لطفا إشترك في الصفحات التالية |