|
إنَّ ما أُعلن عنه قبل أيام، فيما يخص اتفاقية إسرائيل والإمارات، ما هو إلا
مقدمة لاتفاقية أشمل تبلغ تطبيع العلاقات ما بين الطرفين. وعليه تصبح الإمارات ثالث
دولة تطبع علاقاتها مع إسرائيل بعد مصر والأردن، اللذان عقدا اتفاقية على الغرار
ذاته في 1979 و1994، وتخرج عبرها من صراع عرف باسم "الصراع العربي الإسرائيلي".
كانت لهذه الاتفاقية خلفية، ولكن لماذا يعلن عنها الآن؟ ماهي أهداف كل من طرفيها
بهذه الاتفاقية؟ هل إن الاتفاقية ترسي فعلاً السلام في الشرق الأوسط، كما يتحدث عن
ذلك أطراف هذه الاتفاقية؟
من الواضح أنَّ عالم اليوم هو عالم الحروب والصراعات السياسية، عالم كورونا والأزمة
الاقتصادية والاجتماعية، عالم غياب أفق واضح وانعدام الأمان وعالم الصراعات من أجل
إعادة تقسيم العالم وتحديد مناطق النفوذ والنظام الأمني والتجاري... وفي وضع مثل
هذا لا بد للدول والأحزاب والحركات السياسية من إعادة الحسابات حول القضايا
السياسية والاقتصادية، حول كورونا، مناطق النفوذ، الوضعية التجارية، النظام الأمني...
وكل طرف يضع نفسه طبقًا لمصالحه في حلقة اصطفافية، وبالأخص أنَّ كل طرف، ومن أجل أنْ
يصون مصالحه الاقتصادية، يتحرك ويتجه نحو اتفاقيات جديدة... إنَّ اتفاقية الإمارات
وإسرائيل لا تخرج بصورة عامة عن هذا الاطار وهذا الواقع.
إنَّ أمريكا التي هي الطرف الراعي لهذه الاتفاقية، بالإضافة إلى لجوئها إلى إرساء
توازنات في الشرق الأوسط بوجه منافسيها، وتنشد الإدارة الأمريكية من هذه الاتفاقية
بأن يوظفها ترامب لشخصه أمام الرأي العام في أمريكا بوصفه من أرسى السلام في الشرق
الأوسط، والاستفادة من هذا الأمر في الانتخابات المقبلة التي ستجري بعد أشهر. من
جهة أخرى يعرف ترامب أنَّ مشروع "صفقة القرن " الذي طرحه قبل أشهر لحل أحادي الجانب
للصراع الفلسطيني –الإسرائيلي لم يحقق أي تقدم، ولم يصبح أساس لحل القضية
الفلسطينية عن طريق تنامي اجتماعات ولقاءات منظمة التحرير الفلسطينية وحكومة
إسرائيل، بل تعلقت جميع الصلات الامنية والدبلوماسية بين الطرفين، وخلق بغضًا
وكرهًا كبيرًا تجاه أمريكا وترامب بشخصه. إنَّ هذه الاتفاقية هي تكتيك بالنسبة
لترامب لإحياء مشروع "صفقة القرن" وفتح الأبواب أمام الفلسطينيين وجرهم إلى
المفاوضات مع إسرائيل التي توقفت نتيجة سياسات الحاق الحكومة الإسرائيلية لأراضي من
الضفة الغربية لإسرائيل. بالأخص أنَّ هذه الاتفاقية تعقد تحت يافطة أنَّ الإمارات
لا تطبع العلاقات مع إسرائيل إلا بشرط أنْ ترفع يدها عن سياسة المستوطنات وإلحاق
الأراضي الفلسطينية لإسرائيل. إن ما تتعقبه إسرائيل من هذه الاتفاقية هو جلب رساميل
الإمارات ومنطقة الخليج إلى الأسواق الداخلية لإسرائيل، هذا في وقت تواجه إسرائيل
أزمة اقتصادية ونقص في الرساميل ومسألة بناء وتطوير المستوطنات اليهودية للقادمين
الجدد. إنَّ هذه هي إحدى أولوياتها. إنَّ أحاديث نتنياهو، رئيس الوزراء بمناسبة هذه
الاتفاقية شملت في أغلبها تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية وفتح مكاتب الشركات
الإماراتية في القطاعات المختلفة، النقل الجوي، وتبادل التكنلوجيا وتوظيف الرساميل.
وبكلمة، إنْ ما تنشد عبر هذه الاتفاقية في الوضع الراهن، توسيع جبهة "السلام العربي"
مع إسرائيل وحشد قوى أكبر ضد إيران وباقي خصومها وإضفاء حقانية على سياساتها فيما
يخص فلسطين، وبدرجة أدنى تنشد فتح أسواق إسرائيل أمام رأسمال الخليج وخلق أرضية
لإحياء لاقتصاد. وبالنسبة لهذا بإمكان الإمارات أنْ تلعب دورًا خاصًا وتكون مركزًا
لجلب رساميل وشركات البلدان الخليجية الأخرى.
بيد أنَّ ما هو بارز في هذه الاتفاقية هي رغبة الإمارات الأكثر على تطبيع علاقاتها
مع دولة إسرائيل وأنَّ هذا مرتبط بصورة مباشرة بمكانة الإمارات في الأوضاع السياسية
الراهنة في العالم والمنطقة، وتحديدًا من أجل صيانة مكانتها الأمنية في الدوامة
التي تواجه منطقة الشرق الأوسط مضت الإمارات صوب جبهة السعودية ومصر وكتلتهم
المضادة لقطر، لكي تضع حدًا لمولاتها لإيران وتركيا ودور الإخوان المسلمين في
المنطقة، بيد أنَّ إخفاق هذه الكتلة وبعدها سحب السعودية ومصر من سياسة الحصار
الاقتصادي ضد قطر وإعادتهما للعلاقات الدبلوماسية أبقت الإمارات وحيدة. وفي وضع مثل
هذا، يكون الاتفاق مع إسرائيل وترسيخ صلاتها مع أمريكا هو بديل لدى الإمارات لتؤمن
دعمًا أمنيًا، أو على الأقل لتتمكن من وضع جدار أمني سياسي وعسكري لفترة أطول أمام
هجمات إيران، والتي لها جذور أقدم حول جزر طنب الكبرى والصغرى. هذا في وقت يتسع فيه
تدخل إيران وتركيا في المنطقة بوصفهما قوتين سياسيتين وعسكريتين كبيرتين. بالإضافة
إلى الصراع الأمريكي – الإيراني الذي يلقي بظلاله على أجواء منطقة الخليج. إنَّ
وضعًا مثل هذا يلقي مخاطر على المكانة الأمنية لدولة الإمارات دون شك. إنَّ اتفاق
الإمارات مع إسرائيل يجلب بصورة مباشرة القدرة الدفاعية العسكرية والأمنية لإسرائيل
وأمريكا على السواء للمنطقة لصالح الإمارات نفسها.
ليس ثمة اتفاقية أو مفاوضات دون تبرير أو مبرر ولهذا يتم الحديث عن أنَّ هذه
الاتفاقية هي من أجل إحلال السلام في المنطقة ولجم إسرائيل من الإلحاق القسري
للأراضي الفلسطينية بإسرائيل، وهذه الادعاءات ما هي إلا كذبة صارخة وكلام عديم
المعنى والقيمة. بالأخص وأنَّ العالم شاهد على أنَّ ثلث جماهير فلسطين هم لاجئون
ومهجرون ولا يقر لهم بحق المواطنة في البلدان العربية نفسها.
في ما يخص السلام في الشرق الأوسط، في الحقيقية السلام مرهون بالإطاحة بدولة
إسرائيل الراهنة ومجيء حكومة مدنية غير دينية وغير قومية في إسرائيل نفسها. أما
أولئك الذين يعتقدون بأنه وعبر هذه الاتفاقية فإنَّ الإمارات قد ارتكبت الخيانة
فإنهم يشيعون أملًا واهًما كما لو أنَّ حل قضية فلسطين هو بيد الرأسماليين والدول
الرجعية العربية والخليجية، في الوقت الذي اثبت تاريخ عقود من الزمن إنَّ الدول
العربية من ناصريي مصر إلى بعثيي العراق، إن َّقضية فلسطين بالنسبة لهم لا تتعدى
ورقة سياسية للمفاوضات والاتفاق مع أمريكا أو إسرائيل أو الدول الأوروبية من أجل
نيل امتيازات لا أكثر.
نحن نرى أنَّ حل قضية فلسطين أمر ممكن على يد جماهير فلسطين والطبقة العاملة
والتحرريين في إسرائيل وفلسطين أنفسهم وبدعم تحرريي العالم. وعمليًا إنَّ مطلب
الاستقلال لمجمل فلسطين وتأسيس دولتين متساويتين في الحقوق للإسرائيليين
والفلسطينيين... هو السبيل الذي بوسعه حل قضية فلسطين وإرساء السلام في الشرق
الأوسط. إنَّ دولة إسرائيل بوصفها دولة فاشية ومجرمة هي سبب انعدام الأمن والحروب
والحملات الجوية والاحتلال في الشرق الأوسط.
|
|
| لطفا إشترك في الصفحات التالية |