المقال



حمّل النسخة الورقية


بائعةُ المُتع الفيزيقية

 

 

عندما انتهينا من المحاضرة التي ألقاها على أسماعنا الدكتور مصطفى المومري، يوم السبت في 28 من تموز 2018 في أكاديمية العلاقات الدولية (إيرا) باستنبول، التي كانت عن صناعة القرارات الاستراتيجية، وبعد هرس الآراء في مطحنة المشاورة، اقترحنا بأنه من المستحسن أن نتسوّق قليلاً علّنا نتخلص من هواجس التركيز الطويل أولاً، ومن ثم نبتاع بعض الحاجيات الشخصية، ومنها سنتعرف على بعض ملامح وزواريب المدينة التي تغفو على سريرٍ مطرزٍ بكل نفائس الغابر والحاضر.

ومع أن المحاضرة كانت عن صناعة القرارات الاستراتيجية إلاّ أنها قادتنا إلى رغبة معرفة أسباب التفسخ الاجتماعي، فقال حينها زميلَ الدربِ: فلنتعرف إذن على العفونة عن قُرب، وتابع ينبغي لنا الاقتراب من مواضعها، والدنوَ مِن مواطن صُنّاعها؛ وبعد أن هززتُ برأسي للدلالة على عدم تعارضي مع ما يشير إليه، ولكن بعض الإنطلاق فالأمر الغريب الذي بدا لي في ذلك المكان هو أن هذه المثيرات المستحقرات لدى طائفة كبيرة من المجتمع ليس لهن روابي أو واحات خاصة بهن؛ إنما قد تجد مراتعها ملاصقة لأماكن العفة والطهر والروحانيات، كما هو حال منطقة البحسيتا في مدينة حلب السورية، وحيث أن الأسم حسب القاموس السرياني يدل على الطهارة، بينما هو كان أوّل دار رسمي للدعارة أقيم في حلب والذي كان بحارة البحسيتا!.

فمضينا بدايةً باتجاه حي أكسراي، وحيث الطريق الذي يصل أكسراي بـ: "ياني كابي" وصولاً إلى الخط الساحلي، فمشينا من أول الشارع إلي آخره، وما لاحظته على كتفي الطريق، هو وجود الملونين والملونات على طرفي الشارع، وعيون النسوة الواقفات متلهفة لاقتراب أي طالب خدمة سريرية منهن، فاكتفينا بالتمعن بسحناتهن ثم سرنا إلى محطة مترو "ياني كابي"، ومن ثم ركبنا المترو المتجه إلى حي تقسيم، نزلنا في موضع ساحتها، وصعدنا إلى الميدان بالمصعد الكهربائي، درنا دورتين حول تمثال مصطفى كمال أتاتورك كما يفعل بعض حُجاجِ المزارات المقدسة، ثم تابعنا سيرنا باتجاه شارع الاستقلال، قطعنا الشارع كله، ووصلنا بعدها إلى برج كلتاي، تأملناه قليلاً، ثم عدنا أدراجنا، ولكن في طريق العودة من شارعٍ آخر قال لي الدليلُ المجاني الذي صادفناه في المنطقة: إن هذا الموقع الذي على اليسار هو مكانٌ لقضاء الحاجات الغرائزية للبعول، وأنه سبق وبهدف الترميم دخلَ المكان ولأكثر من مرة ليس كزبون يقضي حاجته الفحولية، إنما كمصلّح ومرمّم لبعض المواضع داخل البار، مضيفاً بأنه أثناء تردُّده على المكان شكت له إحدى المومسات عن قلة الزبائن وكساد البضائع المعروضة ههنا، في المكان المخصص للتخلص السريع من الحاجات الغرائزية للذكور، فتحدث الرجل عن المكان، وطريقة التعامل، واللقاء السريع بين صاحب الحاجة والمهتمين بأمره كزبون، ورغم إيراده بدايةً بعض مفردات الشهوة، إلاّ أنه راح يُشبه المكان بدورة مياه عامة، وخيّل إليه أن كعاثب العاملات هنا أشبه بالكنيف الذي يفرغ المرء فضلاته فيه إذا ما داهمته في الطريق رغبة التخلص من فضلات بدنه على وجه السرعة؛ فتأففنا من السرد الأخير له، وأدرت وجهي قليلاً، وحاولتُ أن أنسى مقارنته التي ساقتني إلى تخوم القرف بكونه ساوى بين الكنيفِ وشيءَ بائعة الهوى، كمكانين مخصَّصين للتخلص من الفضلات لدى بعض الأوادم من القطيع الذكري.

فأبعدت قدر المستطاع تلك الصورة التي تدفعني للاشمئزاز إلى التفكير بشكاوي المومسات فيما يتعلق بكساد البضائع الجسدية وقلة الزبائن، ومن ثم رأينا أنفسنا وقد انتقلنا كلياً من ميدان صنع القرارات الاستراتيجية للدكتور مومري إلى البحث في أسباب الكساد الذي طال ميدان عمل بائعات الهوى.

فرحتُ بيني وبين نفسي وعلى طريقة تحليلات الماركسيين أقول: عندما تشكو المومس من قلة العمل فهذا له مؤشرين، فابتسم القرينُ، ونطق بالذي كنتُ سأبدأ به القول، وباشر بسد الفراغات التي نتركها عادةً لتنشيط ميكانيزم التخيلات، وأردف: أولهم أن الوعي الاجتماعي في هذي البلاد نحو التحسن، ويبدو أنه بدأ يتطور فعلياً نحو الأفضل، وأن عادة الشراهة للجنس وبيع الجسد بمقابل مادي لم تعد كما كانت عليه، وهذا فألٌ حسن، وإشارة إلى قلة الاستغلال البشري لأجساد النساء في البلد.

بينما المؤشر الثاني حسب قوله هو بالعكس تماماً، أي أن التفسخ في المجتمع يسير على قدم وساق، وأن الباحث عن الملذات لم يعد محتاجاً لارتياد أماكن الدعارة التى يحصل فيها على مبتغاه، إنما غدت طلباته متوفرة في كل حيٍّ وزقاق، بحيث أن بيع الهوى لم يعد حكراً على المومس التي تختص بذلك المجال الفيزيقي، إنما حتى بعض الفتيات والنسوة البيتوتيات صرن يلبين حاجة ذلك الشهواني الباحث عن مكانٍ ما لإفراغ شحناته في حاكورة إحداهن، كما تفرّغ الشاحنة رواسب المدينة في إحدى المكبات المخصصة لفضلات أناسها.

ــ موقف:
لا تحرّك فيّ فضول التحري تلك المومس التي تكون ضحية أكباشٍ كبار تناوبوا عليها حيناً من الزمن،
ثم عمدوا إلى التخلص منها حتى يحافظوا على دوام مصالحهم،
قد أحزن عليها أياماً نعم
وقد استشهد بها في بعض المواقف أكيد
وقد أجعل من سيرتها وسيرة قريناتها فزّاعاتَ
أو شاخصات أمام اللواتي لم يبلغن سن الرشد ولكنهن وقعن في شباك هوى الفجور،
إنما تثير انتباهي، وربما نالت الإعجاب أيضاً
تلك التي يقتل الثيران بعضهم بعضاً لأجل الحصول عليها،
لتغدو محظية كبشٍ منهم،
إلاّ أن تهارش المتصارعين عليها،
يتسبب بنفوقهم تباعاً
فيُقتل الكل على سجادة الوصول إليها
فيما تبقى هي حيَّةً شامخة
تنظر باحتقارٍ إليهم
وفي الأخير تمشي الهوينى على أجداثهم أجمعين.
ــ شكوى بائعة المُتع:
لم أحظى بمن يلمني في قلبه قبل السقوط
فرحتُ كالوردة متنقلة
من عروة قميصٍ نتنٍ إلى جيب قميصٍ من الأوّل أنتن
ترميني رياح الغرائز بين جحافل ذكورٍ
لا أرى قط بينهم أيَّ أنيس
وكما تُرمى عند انتهاء صلاحيتها الآنية
أراني ككتلة القات في تنقلها
من فمٍ ممجوجٍ الى فمِ
ورغم تدحرجي كتوافه الحصاة
مرتطمةً حين انجرافي مع سيل العمر بأوتاد الحياة
ثملةً في مضيَّ بلا هدفٍ ككرات العهنِ
إلاّ أن حلم السكينة أبداً لم يغادرني
وما يزال الحنينُ رغم تاريخ فجوري
لفيء الشجرة الأولى بكل عزمه يشدني.
 


   

 

لطفا إشترك في الصفحات التالية   

 

المزيد من مقالات العدد 47