|
"ترا ث إدوارد سعيد وراء الاضطرابات الراهنة في اميركا"؛ "إدوارد سعيد إرهابي"؛
"إدوارد سعيد شن هجومًا عدميًا غير مثقف ضد فكر الغرب"؛ "إنَ نصوص إدوارد سعيد
الفانتازية مقصود بها التلاعب بالتلاميذ لتوريطهم بالعنف ضد الولايات المتحدة"،
عينة من اتهامات كالتها الكاتبة الإسرائيلية، كارولين غليك، للمثقف المرموق إدوارد
سعيد، وذلك في مقال "إدوارد سعيد نبي العنف السياسي في أميركا"، نشرته في إحدى
كبريات المجلات الأميركية - نيوزويك - في السابع من تموز الماضي. ولا ندري العلاقة
بين الكاتبة الصحفية وبين الحاخام غليك، الصهيوني المتطرف داعية العنصرية وقتل
العرب.
لكن يتوجب القول إنَّ وسيلة النشر تبين انحياز الميديا في الولايات المتحدة. تفتح
مجلاتها وصحفها واسعة الانتشار، وجميع المنابر الرئيسة في الولايات المتحدة لكتاب
من شاكلة غليك، ينشرون الوعي الزائف بطرق مبتذلة متهافتة؛ بينما تغلقها أمام باحث
أكاديمي من وزن لورنس دافيدسون، ولو من قبيل حق الرد، المعمول به في الإعلام الحر.
والحرية بعيدة عن الميديا الأميركية، رغم تشدقها الدائم بمفردة الحرية ومشتقاتها.
ناقش المقال، لورنس دافيدسون، أستاذ التاريخ في جامعة ويست تشيستر بولاية بنسلفانيا؛
بين لا منطقية الاتهامات والكشف عن مدلولاتها السياسية، فالعلاقة عضوية بين
الصهيونية والامبريالية، وكذلك يجب أنْ تكون العلاقة بين ضحايا الكيانين.
مقال غليك يربط محنة الشعب الفلسطيني بما يجري حاليًا في الولايات المتحدة، وهو
واقع موضوعي، ولو أنَّه ورد في كتابات غايك بالمقلوب، أو واقفًا على رأسه، حسب
تعبير ماركس.
يخلص دافيدسون بعد تحليل التهافت واللامنطق في طروحات غليك، إلى القول "إن هجوم
غليك على تراث إدوارد سعيد تكتنفه قفزات لا منطقية؛ إنها تريد إرجاع عقارب الساعة
إلى ما قبل الكولنيالية؛ وبصورة خاصة ترغب في إحياء القبول الشامل لكولنيالية الغرب
مشروعًا خيريًا رؤوفًا من خلاله انتشرت الحضارة والتقدم على أيدي الثقافة المتفوقة.
لماذا؟ لأننا إنْ صدقنا فرضيتها يترتب على ذلك النظرإلى إسرائيل دولة شرعية عادية،
وسيطرتها على العرب امتداد لسيطرة الغرب الكولنيالي. ولذلك ينظرون إلى إدوارد سعيد،
المثقف سوبر ستار، خطرًا دائمًا يهدد شرعية دولة إسرائيل".
يعري دافيدسون تحريف غليك المتعمد لفكر إدوارد سعيد، تشويهه وتؤويله بصورة مبتذلة
كي يسهل توجيه المطاعن :
بادعائها أنَّ "المظاهرات المناهضة للعنصرية داخل مدن الولايات المتحدة هي من وحي
كتابات إدوارد سعيد ضد الاستشراق الأوروبي"، تنطلق غليك من تعصب صهيوني يرى
المقاومة الوطنية أحد أشكال الإرهاب. يختزل البروفيسور دافيدسون مغالطات المقالة
بالقول: ليس أفضل منها مثالًا على دور الأيديولوجيا في تبذل نظرة المرء لدرجة
السخف؛ فهي تمعن في التزييف حتى الادعاء أنَّ "سعيد يقذف الحجارة على إسرائيل"،
"الجنود يحمون حدودهم". هي صهيونية متعصبة تكتب عمودًا في صحيفة إسرائيل هيوم
الناطقة بلسان نتنياهو، والممولة من قبل شيلدون اديلسون، الملياردي، صاحب كازينوهات
لاس فيغاس.
أثناء زيارة إدوارد سعيد إلى لبنان عام 2000 مع أسرته رمى حصاة (وليس حجرًا) باتجاه
نقطة مراقبة مهجورة (وليس جنديًا إسرائيليًا "يدافع عن الحدود").
ردًا على ما ورد في المقالة أنَّ تلك "الحصاة قبل عشرين عامًا هي المتسبب في العنف
الجماعي الحاصل حاليًا في المدن الأميركية".ينبغي القول إنَّ العنف الذي تتحدث عنه
الكاتبة هو الاحتجاجات الجماهيرية ضد شراسة الشرطة التي أعقبت اغتيال جورج فلويد من
قبل ضابط شرطة في 25 أيار 2020. ألا يبدو ذلك شاذًا؟!
"إن محاولة غليك ربط أعمال سعيد بالاحتجاجات الجارية عقب مقتل فلويد تظهر مدى الخوف
الطاغي على المدافعين عن دولة إسرائيل الصهيونية العنصرية وهم يرون حليفتهم
الرئيسة، الولايات المتحدة، تتعرض للهجوم بسبب ممارساتها العنصرية. وبصفته مثقفًا
رفيع الشأن عدوًا لكل أشكال العنصرية، فإن إدوارد سعيد يلقي الضوء الساطع على هذه
المخاوف".
تقول كارولين غليك إنَّ إدوارد سعيد عضو مؤثر في "منظمة إرهابية"، وتقصد منظمة
التحرير الفلسطينية. وهذا مثال للتشويه الصهيوني، في توصيف معظم المنظمات
الفلسطينية. في العام 1993 اعترفت المنظمة بحق إسرائيل بالوجود، ولم يترك الاعتراف
أثرًا يذكر لدى الصهاينة اليمينيين، وغليك من بينهم، ممن واصلوا استخدام مفردة
"الإرهاب" لأغراض الدعاية المتجنية.
إسرائيل، وتيار نتنياهو بالذات، كثيرًا ما رددوا أنَّ الصهيونية المعاصرة تتجسد في
الفلسطينيين المدافعين عن حقوقهم الوطنية. ويجري تثقيف طلبة الثانويات قبل التخرج
والخدمة في الجيش، بإرسالهم إلى أوشفيتز، معسكر الإبادة للنازيين؛ وهناك يتلقون
المعلومات التحريضية، ليس ضد النازيين الحقيقيين، بل ضد الفلسطينيين المعارضين
للاحتلال. وسبق أنْ قاد نتنياهو بنفسه، في رحلة إلى اوشفيتز، مجموعة من الشباب
اليهود، بينهم جاريد كوشنر كبير مستشاري ترمب ومنسق صفقة القرن.
أما الحقيقة فيجليها قانون الكشف عن جرائم النازيين الذي أقره الكونغرس عام 1988،
وبموجبه اضطرت السي آي إيه للكشف جزئيًا عن توظيف نازيين سابقين في صفوفها. ومعروف
أنَّ للموساد الإسرائيلي دورًا في تأسيس وتنظيم عمل الوكالة الاستخبارية الأميركية
مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية. وتعاون الموساد الإسرائيلي مع النازية بصورة
مباشرة في إخراج الشباب اليهودي من سجون النازية وإرسالهم إلى فلسطين. وقد تجاوب
هتلر مع المجهود وزود وفد الموساد بتوصية ملائمة أظهرت مدى تأييده للمشروع الصهيوني
في فلسطين. والسي آي إيه وظفت مئات الضباط النازيين السابقين ممن امتلكوا الحوافز
الاقتصادية والأهلية الإيديولوجية لتشويه النوايا السوفييتية وتزوير توجهات
السوفييت بقصد تأجيج الحرب الباردة. كان كبار القادة العسكريين في الولايات المتحدة
قد وافقوا على تضخيم الخطر الخارجي كي يضاعفوا موازنة الحرب باضطراد.
وكان كلاوس باربي، الشهير بالكنية "جزار ليون" أيام الاحتلال الألماني لفرنسا، قد
لعب دورًا في تصفية تشي غيفارا.
عودة إلى مقال دافيدسون، "علاوة على أنَّ سعيد ‘مارس الإرهاب’ فهو مثقف ‘يساري
متطرف’؛ من الصعب معرفة ماذا تقصد بـ ‘اليسار المتطرف’، شتيمة ثانية. سعيد علّامة
في الأدب المقارن، عندما طالب، خارج الحرم الأكاديمي، بالحقوق السياسية والإنسانية
للشعب الفلسطيني المضطهد. فكيف يكون هذا يسار متطرف؟! رغم ذلك تمضي غليك لتؤكد أنَّ
سعيد، بصفته أكاديميًا ‘يساريًا متطرفًا’، شن هجومًا ‘عدميًا’ و‘غير مثقف’ ضد الفكر
الغربي. قام بذلك في كتابه "الاستشراق"عام 1978. يجب القول، بغض النظر في ما لو
اختلف المرء مع سعيد في بعض التفاصيل، ما من شك أنَّ عمله القائم على البحث الدقيق
والموثق جعل العديد من الباحثين في الغرب يعون تحيزهم الثقافي.
ترفض غليك النظر إلى كتاب الاستشراق عملًا أكاديميًا واسع التأثير، وتنتقل في قفزة
لا منطقية لتزعم أنَّ سعيد في الاستشراق يشخص جميع مثقفي الغرب، خاصة الأميركيين،
يحملون تجاه العالم العربي والإسلامي ‘نظرة تآمرية’ مصممة لتبرير الامبراطورية.
وهذا جوهر ‘عدمية’ إدوارد سعيد في تشهيره بالفكر الغربي. تشير بوجه خاص إلى قول
سعيد "من مرحلة التنوير حتى الزمن الراهن كل أوروبي في ما يقوله عن الشرق، هو عنصري
امبريالي وينحو كليًا باتجاه المركزية العرقية". وهذا تعميم لكنه يعكس في الأساس
تحيزًا ثقافيًا غربيًا حقيقيًا. وما تصفه غليك ‘نظرية مؤامرة’ إنما هو إشهار علمي
لكيفية تعبير التحيز عن نفسه. ويجب ملاحظة أنَّ هذه التحيزات المشينة ليست محصورة
في أميركا ولا حتى في الغرب. فالحضارات الصينية واليابانية والعربية والإسلامية
والهندية تحمل تحيزات تمد جذورها في الحضارة نفسها.
غليك تشتط فتهبط دركات التحيز حتى التفاهة؛ ما تضمره غليك أنَّ أعمال سعيد مناهضة
للغرب دون أنْ تقدم بينة على ادعائها. وتمضي أبعد من ذلك لتؤكد أنَّ نصوص إدوارد
سعيد الفانتازية مقصود بها التلاعب بالتلاميذ لتوريطهم بالعنف ضد الولايات المتحدة.
باختصار سعيد في نظر غليك إرهابي لأنه يعارض إسرائيل ويدعم مشاركة الفلسطينيين في
منظمة التحرير الفلسطينية؛ وبناء عليه فإن قذف الحصاة عبر الحدود عمل إرهابي موجه
ضد إسرائيل وقواتها الدفاعية. وهذه كانت ‘النذير للعنف للغوغائي الجاري حاليًا في
مختلف أنحاء الولايات المتحدة’. والرابط قيام سعيد بقذف ‘حجر’ ثقافي من خلال كتابه
"الاستشراق". وبذا فالكتاب عمل إرهابي مثلما هو ‘عدمي’.
كل هذه البشاعات موضبة في ضفيرة واحدة تطرح للتساؤل الفرضيات الثقافية القائمة التي
دعمت طويلًا الكولنيالية والامبريالية، والتي صدف أنْ دعمت ادعاء إسرائيل بشرعية
وجودها.
علاوةً على كل ما تقدم، وبناءً عليه ترى غليك أنَّ دفاع سعيد عن حق الشعب الفلسطيني
ضد إسرائيل كان جزءًا من حملة صليبية أوسع نطاقًا لما بعد الكولنيالية شنها سعيد ضد
الولايات المتحدة.
وأخيرًا، فكتاب الاستشراق شكَّل الأساس لحملة أوسع بكثير على الأكاديميات للتشكيك
في مصداقية الولايات المتحدة ككيان سياسي غارق في العنصرية. زعمت غليك في مقالتها
أنَّ تراث سعيد يكمن خلف الاضطرابات الجارية في الولايات المتحدة، وما من بينة تثبت
زعمها. لكنَّ أسلوب غليك هو اللف والدوران لتقويض دعم طلبة الجامعات الأميركية
لحقوق الشعب الفلسطيني؛ وفي نهاية المطاف غليك معنية بالحفاظ على صورة لإسرائيل
جزيرة ديمقراطية وسط بحر من البربرية العربية والإسلامية غير المتحضرة.
إنَّ تراث إدوارد سعيد يقدم الأساس النظري القوي لإدراك لماذا فكر الغرب الامبريالي
وعمل بالأسلوب الذي استقر في جوف التاريخ؛ ومن ثم يساعد الشعوب في الغرب وغير الغرب
كيف يواجهون أوضاعهم التاريخية الحديثة؛ وعلى كل حال فإن غليك لا تستطيع رؤية أي من
هذه الأمور إلاَّ من خلال منظور الصهيونية... هكذا فتراث سعيد جزء من مؤامرة ضد
إسرائيل- هجومًا على أولئك المفكرين الذين يدعمون شرعية وجهة النظر التي تقوم عليها
دولة إسرائيل.
|
|
| لطفا إشترك في الصفحات التالية |