|
تقدم لنا الإدارة الأمريكية مثالًا رائعًا على تفعيل التناقضات وإدارتها في
الحاضنة العربية لتنفيذ مخططاتها المتعلقة بصفقة القرن، وفرض الهيمنة وتفكيك "مستودع
هوية" الذات العربية، ففجأة وبعد تكتيك "الصدمة النفسية الجماعية" مع انفجار بيروت
لأهل لبنان، وفي ظل تسخين ملف سد النهضة جنوبًا لمصر، والملف الليبي غربًا، ومشروع
ضم أراضي الفلسطينيين وفق صفقة القرن شرقًا، وتسخين شرق المتوسط بأكمله على أساس
مناطق النفوذ والبحث عن الغاز...
تدهشنا أمريكا بقدرتها على اللعب بوجه مكشوف من خلال نماذج القوة الجديدة، التي نمت
على أطراف الحاضنة العربية التاريخية هناك في الخليج، لكنَّ هذه المرة في الإمارات
العربية المتحدة. حيث فوجئنا جميعًا أمس بالإعلان عن مشروع اتفاقية سلام متناقضة
بين الإمارات وإسرائيل برعاية أمريكية، وجه التناقض أنَّ الإمارات أعلنت في بعض
المواقع أنَّ الاتفاقية كانت في مقابل وقف مشروع ضم الأراضي الفلسطينية، في حين لم
تعطها إسرائيل/ نتانياهو أي فرصة للمناورة أو حفظ ماء الوجه، وأعلنت مباشرة أنَّ
الاتفاقية لا تعني إلغاء مشروع الضم وإنما تأجيله وأنَّ نتانياهو ملتزم به تمامًا!
السلام بالوكالة: الإمارات مع إسرائيل نيابة عن الفلسطينيين
المدهش أنَّ الجميع صار يتحدث نيابة عن الفلسطينيين وكأنهم أطياف أو أشباح فقدوا الحضور الفعلي في العالم العربي! كيف يبادر المحيط العربي ودوله باتفاقيات سلام لم يحدث؟ ويطبع وجود كيان سياسي لم يتوقف عن العنصرية والرغبة في التوسع والهيمنة والسيطرة على مقدرات الوجود العربي، السؤال العجيب عن ماذا قايضت الإمارات الصهيونية في مقابل ما زعمت أنه سلام!؟ حقيقة "نماذج القوة" ودولها التي نشأت على أطراف حاضنة العالم العربي في حاجة لدراسات مستفيضة تحلل الجذور والمآلات لتلك النماذج التي ظهرت في الخليج، ودورها في تعظيم "مستودع الهوية" العربي أو تفكيكه.
سياسة خلق الأطراف المتعاونة
الملاحظ أنَّ الاتفاقية هي استمرار لسياسة خلق الأطراف المتعاونة وتهميش أو إقصاء أو عزل الأطراف "الممسكة بذاتها العربية" أو التي تحاول وترفع شعارات ذلك، المشكلة أنَّ هذه الأطراف من المفترض أنها أكثر تجذرًا وعمقًا في الحاضنة العربية، لكن مشكلتها أن َّالتناقضات حاضرة أيضًا في مشروعها. ففي فلسطين مثلًا تم تفعيل التناقض بين القومية العربية والدافع الوطني وممثليه، وبين الخطاب الديني المقاوم الذي تمثله حماس امتدادًا إلى الإخوان المسلمين، وفي لبنان تم تفعيل الولاء المذهبي وتناقضاته الداخلية في خطاب حزب الله كذراع إيراني، أما خطاب الثورات العربية ورغبته في استعادة الذات العربية والدفاع عن "مستودع هويتها" وامتلاك ما يشترطه ذلك من متطلبات، فتم وضعه في مواجهة المعارضة التاريخية القديمة يمينًا ويسارًا لتفريغ لحظته التاريخية، وكان البديل الأمريكي حاضرًا دومًا عبر سياسة "التنخيب الزائف" لكن على نطاق واسع بتقديم بدائل من داخل الحاضنة العربية، ترضى بالهيمنة في مقابل أنْ يتم تصعيدها ذاتيًا دون اكتراث بشرطها الجماعي ومستودع هويته، وهو ما يتطلب من الباحثين العرب المزيد من دراسة "نماذج القوة" التي نشأت على "أطراف الحاضنة" العربية مثل الإمارات والسعودية وقطر، ومراجعة تاريخ الاستراتيجيات الأمريكية في المنطقة، حيث سنجد أنها كانت تعمل دائمًا على خلق وكيل محلي لها يقبل بمخططاتها ثم تدعمه بشتى الطرق.
من الأرض مقابل السلام
إلى السلام مقابل تجميد ضم المزيد من أرضكم
اللافت للانتباه – والكلام هنا موجه لمن يقدمون إسرائيل كمحب للسلام ويستلبون لها- أنَّ مشروع السلام التاريخي، الذي تم في أعقاب تفكيك وخلخلة قديمة للمنطقة العربية، باستراتيجيات الصدمة والعرب في حرب ضرب صدام حسين بعد تشجيعه على غزو الكويت، الذي عرف بـ"اتفاقية أوسلو" وكان شعاره الأبرز "الأرض مقابل السلام"، بما يعني أنَّ الصهيونية وكيانها السياسي "إسرائيل" ستمنح الفلسطينيين الأرض للعودة لأقرب ما يكون لحدود ما قبل عدوان 1967م، في مقابل أن تحصل على السلام وتطبيع وجودها ككيان سياسي في المنطقة العربية، اللافت للانتباه – والرسالة هنا لمحبي الترويج لإسرائيل والمستلبين لها- أنَّ الفلسطينيين حينما قبلوا بالاتفاقية والشعار والمشروع، على عكس ما يدعي دعاة الاستلاب للصهيونية بأنَّ الفلسطينيين متعنتين على طول الخط، قامت الصهيوينة طوال ما يقرب من ثلاثين عامًا الآن بالتهرب من التزاماتها والتحول عنها، حتى وصل الأمر بأنَّ ما بدأ في أوسلوا بالأرض مقابل السلام في تسعينات القرن الماضي، انتهى إلى "السلام مقابل تجميد ضم المزيد من أرضكم" في مقتبل العقد الثالث من القرن الجديد مع صفقة القرن واتفاقية الإمارات المزعومة.
اتفاقية إبراهيم ومفهوم "الاستلاب" حاضر
في إشارة دالة وضعوا لاتفاقية السلام بالوكالة بين الإمارات وإسرائيل اسم "اتفاقية إبراهيم" أو بنطقه الإنكليزي "إبراهام"، في دلالة على اجتماع ممثلي الأديان السماوية الثلاثة أو كما يحب البعض تسميتهم بالأديان الإبراهيمية نسبة إلى النبي إبراهيم (ص). والدال هنا هو استمرار منطق الاستلاب والانتصار له من الجانب الإماراتي في مقابل حضورهم ممثلين عن الذات العربية (في استمرار لسياسة التنخيب الزائف وصناعة الأطراف المتعاونة)، أي أنَّ الإمارات حضرت باسم الدين الإسلامي في مقابل الانتصار للرواية اليهودية والنسخة التي تصالحت معها من المسيحية الصهيونية! وهنا يستمر حضور فكرة الاستلاب كمركز لكل الأطراف العربية التي تروج للرواية الصهيوينة من خلال تفكيك السردية والرواية العربية ببعدها التاريخي والديني وانعكاسه على المستوى السياسي وأثره على الحقوق العربية والفلسطينية.
مصر استمرار غياب المشروع البديل
من الدولة المركز
التعقيب المصري الذي خرج على الاتفاقية جاء بروتوكوليًا مقتضبًا من الرئيس السيسي
في تصريح قصير، ركز على ما كانت أعلنته الإمارات بخصوص وقف مشروع ضم الأراضي
الفلسطينية، لكن مصر الدولة المركز التاريخي في الحاضنة العربية إنْ لم تعمل لتقديم
مشروع بديل للذات العربية تجمع عليه شتات الصراع بين دولة "ما بعد الاستقلال" عن
الاحتلال بقلبها العسكري القديم، والثورات العربية التي تطالب بتجاوز تناقضات تلك
الدولة نحو المزيد: من المؤسسية والضبط والعدالة و"التنخيب الحقيقي" و"الفرز
الطبيعي"، فإن القادم سيكون سيئًا للغاية للذات العربية في حالة استمرار غياب مشروع
مصري بديل للهمينة الأمريكية، وعلينا ألَّا ننسى أَّن أمريكا هي مصدر الصورة
النمطية لمصر في أفريقيا، التي وصفتها بالنزعة الاستعمارية، وما لذلك من آثار في
ملف سد النهضة، وهو الملف الأسوأ الذي تواجهه مصر حاليًا والذي تحاول أمريكا أنْ
توزع فيه الأدوار، لكي تدير خشبة المسرح في النهاية لصالح الانتصار لمشروعها
للهيمنة وتفكيك الذات العربية.
خاتمة:
إذا لم تخرج سردية عربية كبرى للوجود من دولة المركز مصر في أقرب وقت، تتصالح مع
مشروع الثورات العربية، فإن تفكيك الذات العربية سيستمر لصالح الهيمنة الأمريكية
والتوسع الصهيوني، وتفعيل التناقضات الإقليمية التاريخية على حساب الذات العربية،
خاصة التمدد الإيراني بمذهبها الشيعي، وتركيا بمداعبتها حلم إحياء المشروع السياسي
الإسلامي (الخلافة)، والترويج الحبشي لمصر في قارة أفريقيا كدولة عنصرية/ استعمارية
وحبس ماء النيل عنها.
|
|
| لطفا إشترك في الصفحات التالية |