المقال



حمّل النسخة الورقية


المثقف العربي في مواجهة
محميات نتانياهو والبترودولار
 

 

(تلقى "المبدعون" بشيء من التيه الذي يذكر بالطاووس جوائز محمد بن زايد ومحمد بن راشد من قبيل البوكر وأشباهها. ترى هل سيمتلكون الشجاعة اليوم لركلها على رؤوس الأشهاد بعد أنْ تم تدشين الحلف الصهيوني/الأمريكي علنًا، أم أنَّ الرفاق الذين غضبوا جدًا قبل أشهر عندما شككنا في حجهم إلى أبوظبي ما زالوا يصرون أن الجوائز بريئة وأنها موجهة من ابن زايد بغرض تنمية إبداعهم الذي يساهم في بناء الأمة وتحرير فلسطين؟)

تقف دول التحالف السعودي/الأمريكي/الإسرائيلي ومن ضمنها الامارات والبحرين في الزمن الراهن موقفًا معاديًا للقضايا العربية، وعلى رأسها قضية فلسطين. ولسوء الحظ فإنها قد انتقلت من موقع الحليف السري للصهيونية إلى موقع التضامن العلني معها وصولاً إلى الموقف البحريني "الثوري" المدهش الذي يقرر أنَّ من حق إسرائيل أنْ تدافع عن نفسها ضد عدوان هذا الطرف العربي أو ذاك.

حسنًا أزعم دون أنْ أكون مخترعًا أو مكتشفًا، أنَّ هذا يعني أنَّ هذه الدول قد انتقلت من موقع التواطؤ مع العدو إلى موقع التحالف الرسمي المعلن معه. وهذا يعني أن هذه الدول عدو لفلسطين والأمة العربية كلها. على الرغم من ذلك يجب أنْ ننبه على شيء مهم: لقد ولدت السعودية ومحميات النفط جميعًا في سياق يجعلها تابعة بنيويًا للاستعمار الكوني منذ لحظة ولادتها. ولذلك تآمرت ضد النظام الناصري والعروبة وأدت دورًا يخدم بريطانيا والولايات المتحدة والصهيونية على امتداد عقود طويلة من الزمن.

لكن بمجرد أن أقول ذلك، وأنشره، وأبشر به، فإنني بالطبع أصبح عرضة للاعتقال – وربما ما هو أسوأ منه- في حال وطأت قدماي أرض الإمارات أو السعودية المقدسة. بالطبع لن أحلم بوظيفة في تلك الدول، ناهيك عن الحصول على الجوائز والمنح والهدايا التي تقدمها تلك الدول التي حبتها الطبيعة كنزًا تقوم بتبديده في وجوه الفساد، والملذات الحسية، وخدمة الاستعمار العالمي.

كيف يمكن أنْ يتعاطى "المثقف" العربي مع هذه الأنظمة القروسطية الفاسدة؟ أيكون معها، أم ضدها، أم يمارس الحياد الملتبس؟

المشكلة أنَّ المثقف هو الشخص الذي ينتقل من حيز الوظيفة الحيادية إلى حيز الانغماس - بالتبشير على الأقل - في القضايا العامة من قبيل السياسة والاقتصاد والصحة والتعليم. هذا ما نفعله نحن الذين كان من سوء طالعنا أننا اشتغلنا بالعلم والفلسفة أو الفن والأدب... إلخ.

يتوسع المثقف بكرم واضح في انتقاد "ديكتاتورية" الأسد و"وحشيته". ترى هل يجرؤ المثقف ذاته على انتقاد مقامات محمد بن سلمان ومحمد بن زايد ومحمد بن راشد وغيرهم من أمراء "مدن الملح"؟ لكن أين سينشر النقد عندما تنغلق في وجهه أبواب "العربي الجديد" والاتحاد والخليج... إلخ. وماذا يفعل "الرفاق" الذين تلقوا جوائز "البوكر" الإماراتية؟ هل سيعيدونها اليوم بعد أنْ أصبحت مغموسة ببول بنيامين نتانياهو وبصاق دونالد ترامب؟

ماذا عن المواطن/القارئ العربي؟

هل من واجبنا أنْ "نتسامح" مع الشعراء والروائيين من باب أنه يحق لـ"المبدع" ما لا يحق لغيره؟ أم نقول إنَّ المبدع يتحمل مسؤولية أشد، لأنه "يعيش" داخل دائرة الهم العام تمامًا.

ربما نستطيع أنْ نتسامح مع مدرس مسكين يريد أنْ يطعم "عياله" خبزًا عن طريق العمل في مدارس رأس الخيمة وخور فكان. وربما نستطيع أن نتسامح مع عامل فلسطيني يمضي الساعات الطوال على الحواجز من أجل أنْ يعمل داخل "إسرائيل" ويعود لأسرته بقوت يومها.

من المعروف أنَّ المبدع/العالم/المفكر/والمثقف قد ارتبط مصيره بالبلاط عبر التاريخ: البلاط هو من يملك الموارد اللازمة لمكافأة المثقفين، ولكن عصرنا اكتشف مثقفًا ثوريًا يعيش من أجل قضايا الشعوب والمضطهدين، ويدفع الثمن الغالي لقاء ذلك.

هناك قائمة طويلة من "المبدعين" للأسف، تلقت التكريم والتنعيم من نظام الإمارات المتحالف استراتيجيًا مع الصهيونية، وقد أتحفتنا وسائل الإعلام بآخر إنجازات ذلك النظام في وضع السيد حسن نصر الله في قائمة المحاصرة الاقتصادية التي سنتها واشنطن، وتطبقها دول الخليج بدون تردد.

لسنا في زمن الغموض الذي يحتاج إلى تحليل متعمق: الإمارات عدو للأمة العربية كلها، ولشعب فلسطين، ويصعب علينا أنْ نصدق أنَّ من تكرمه تلك الدولة يمكن أنْ يكون عدوًا لها أو للصهيونية ناهيك عن أنْ يشكل خطرًا يستدعي موقفًا "حازمًا" مثل الذي واجهه ناجي العلي أو غسان كنفاني أو ماجد أبوشرار، والقائمة تطول. يمكن للمثقف أنْ يكون أقل "اشتباكًا" من ناجي وغسان، ويمكن أنْ لا يذهب بالضرورة إلى حتفه. أما أنْ يصل الأمر حد تلقي الهبات ممن يفترض أنْ يكونوا أعداءه فإنه يحتاج إلى الكثير من "التقية" لكي يخدع عبيد بئر النفط في الخليج. لكنه مع ذلك سوف ينكشف لخبراء المخابرات الصهيونية والأمريكية وأصدقائها في الخليج. من هنا يصعب علينا أنْ نضللهم بسهولة ما لم نتبن فعلاً المواقف الأساسية التي ترضيهم وتدعم سياستهم المعادية لأحلام العرب وفلسطين. نقول ذلك تحسبًا من نباهة البعض من معكسر الأنجزة الذين يزعمون طوال الوقت أنهم يخدعون قوى الاستعمار العالمي، ويأخذون المال منها لتوظيفه في مصلحة الوطن وضد مصلحة الاستعمار بالذات.

انكشفت الإمارات على ما يبدو نهائيًا، أو ذلك ما نأمل على الأقل. لكن "مثقفي" قطر سيصرون اليوم أنها مهما يكن من أمر أقل شرًا من الإمارات والسعودية؛ على الأقل كان لدى قطر مشاريع واضحة المعالم: الديمقراطية من جهة ودولة الإسلام من جهة أخرى. وفي هذا السياق استطاعت أنْ تستقطب مثقفًا "يسوق الهبل على العبط" ويتظاهر بالعمل في مشروع لبناء واقع عربي ديمقراطي (ربما انسجامًا مع كتاب خفيف الظل لعزمي بشارة عنوانه: بيان ديمقراطي عربي) أو بناء دولة إسلامية يرشدها يوسف القرضاوي تتخذ من المشرق مقرًا لها، وتقوم قطر بإدارتها.

تم ذلك بالطبع على الرغم من، أو ربما برعاية، القواعد العسكرية الأمريكية. وقد رافق ذلك مقدار ليس بالقليل من الحب تجاه إسرائيل، والخطاب الثوري العالي النبرة ضد سوريا. ما الذي يمتلكه رجل الإمارات القوي محمد بن زايد في مقابل أمراء قطر أصحاب الرؤى "الثورية"؟ يمتلك بالكاد مشروعًا للبرلة يرافقه غزل أكثر حسية وصراحة تجاه الصهيونية والغرب. وهو في هذا لا يختلف في كثير أو قليل عن سميه محمد بن سلمان حاكم السعودية الفعلي. اليوم يصعب على المثقف/المبدع أن يغازل محمد بن زايد دون أنْ يعرف الغفير والخبير أنه أصبح عضوًا مخلصًا في نادي الثروة الإسرائيلي وأنه لا علاقة له بالأمة وأحلامها من قريب أو بعيد.

أما المثقف العربي الذاهب إلى الدوحة فما زال يستطيع - بما أوتي من فصاحة وحجة حاضرة- أن يتحدث عن إسقاط الديكتاتورية في سوريا وبناء وطن الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة والحريات... إلخ مرة أخرى مصداقًا لعنوان بارز لعزمي بشارة: "سوريا درب الآلام إلى الحرية." مخاض يذكر بدرب آلام الخلاص الذي سار فيه الرب/المخلص من أجل إنقاذ خرافه الضالة.

لكن أدعياء الثقافة في حجيجهم إلى قطر لا يختلفون عن حجيج أبوظبي أو دبي في شيء. هم أيضًا يحلمون بالفنادق الضخمة والمباني العالية والشوارع العريضة والويسكي في فنادق برج العرب وبرج خليفة والكمبينسكي.

ما الذي أفعله في ابوظبي أو الدوحة إن كنت مثقفًا تتطلع عيناي نحو المستقبل؟ أو نحو البناء؟ أو نحو أحلام الأمة؟ أو نحو تحرير فلسطين؟
نظن أنَّ الرغبة في قضاء الوقت الجميل في عالم الخليج "الساحر" الباذخ، المبني وفق أحدث طراز، مع العودة بالغنائم، هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن أحلم به.

حسنًا لا يحق لكم الاعتراض على "حريتي" الشخصية في الذهاب حيث أشاء، وأنْ أعيش حياتي كما يحلو لي. لكن ربما ليس من حقي أنْ أواصل الزعم بأنني أكتب وأبدع و "أحترق" كالشمعة من أجل فلسطين وتحريرها وبناء الأمة وفك ارتباطها بالاستعمار العالمي.

لن أستطيع الإدلاء بتلك المزاعم ببساطة لأنَّ "العمارات" من أبوظبي إلى خورفكان مرورًا بإمارة دبي الليبرالية التي تعيش الدعارة وغسيل الأموال وصولاً إلى محمية الدوحة أم الليبرالية والإخوان، تشكل المقرات الأكبر هذه الأيام للأنشطة الاستعمارية المعادية للعرب وعلى رأسها أنشطة الموساد والصهيونية.
 


   

 

لطفا إشترك في الصفحات التالية   

 

المزيد من مقالات العدد 47