د. عباس علي العلي
|
عنصريتنا وعنصريتهم |
العنصرية نظام سياسي واجتماعي وقانوني يقوم على مبدأ الفصل بين مكونات المجتمع
على ميزات أو خصائص محددة فردية واضحة، تكون معيارًا حديًّا للتفرقة والتفضيل بين
مكوّن ومكوّن، لا على مبدأ أنَّ المجتمع العنصري واحد بل على أنه مجرد تركيبة
أفضتها الوقائع على الأرض. تأريخيًا، العنصرية ليست وليدة تباينات طارئة أملتها
الظروف وجذرتها أسس تتعلق بثقافة أو عرف أو حتى ذاتية إنسانية منحرفة أصلًا،
التاريخ يبدأ ويحكي مظاهر شتى لصور عنصرية غالًبا ما تكون لصيقة بالنظام الاجتماعي
ذاته، حتى في الأساطير الدينية نجد العنصرية شيء مسلَّم به على أنه إرادة فوقية
وليست فقط ممارسة بشرية محددة بواقعها. ففي أسطورة نوح نجد أن هذا التوصيف حاضر
وبقوة، مثلًا في أسطورة نوح والسفينة هناك إشارة واضحة في تقسيم العنصر الواحد على
أسس عنصرية، فعندما أراد نوح تقسيم أولاده، جعل من ولده حام، وكان أسمر البشرة أو
أسود نتيجة مخالفة حدثت منه، أن يكون عبدًا لأخوته، وهكذا تم نسبة العنصرية لله.
في تأريخ كل الحضارات الإنسانية القديمة، نجد أن التركيب الطبقي للمجتمعات كان
مقسمًا على أسس العبودية ونظام الفصل بين العبيد والأحرار، أو بين السادة ذوي
المشتركات الجينية وبين غيرهم، بين الغرباء وبين سكان متشاركين في عوامل محددة
بيئية أو جنسية أو اجتماعية. منذ قرون مضت غزت جماعات البدو الناطقة بالهندية -
الأوروبية الهند، وهى جماعات من أصول آرية، وأنشأت نظام الطبقات، وهو نظام نخبوي
تشكل من خلاله النظام الاجتماعي الذي يفصل الغزاة عن غيرهم من القبائل أو السكان
الاصليين من خلال إنفاذ وفرض الزواج العنصري، وقد كان نظامًا صارمًا، يخضع فيه كل
شيء لقوانين صارمة، وقد قيَّد السكان الأصليين بمهن محددة.
قد تكون هناك أيضًا قواعد أخرى تسبب اجتماعيًا الميل للشعور والسلوك العنصري مرده
الخوف أو التشكيك بعناصر محددة في المجتمع قد لا تتعلق بالجينات أو الصفات الوراثية
المشتركة للمجتمع العنصري. خلال مراحل التاريخ التطوري للإنسان، عندما كان الإنسان
جامعًا للصيد، حيث أن ظهور صياد آخر في نفس البقعة يؤدي إلى انخفاض عدد الحيوانات
والنباتات التي يمكننا الحصول عليها، إذا كانوا اقرباء، فإنه من الممكن أن يتشاركوا
ذلك الطعام – أو على الأقل يمكن لجيناتهم المشتركة عبر القرابة أن تستفيد من هذا
الاختلاط، لكنَّ أي شخص تبدو عليه علامات ثقافة مختلفة فإنه من المرجح سيكون
منافسًا لنا بحسب رأي الدكتورة ڤكتوريا ايسس من جامعة ويسترن أورانيو في لندن.
وهنالك ما هو أكثر من ذلك حدة في تقسيم المجتمع إلى طبقات وفروقات عنصرية، إذ لاحظ
أيضًا ستيڤن نيوبرگ من جامعة ولاية أريزونا أنَّ الجماعات طورت في ما بينها وسائل
خاصة بها للنجاة حيث يقول "الغرباء القادمون" لهم قواعدهم وقوانينهم الخاصة التي
ربما تعيق التنسيق المجتمعي السائد للقيام بفعاليات مهمة للمجتمع، أو ربما بدلاً من
ذلك يقوم عدد من أعضاء المجتمع المضيف باتباع قوانين وقواعد أولئك الغرباء، وقد
تحدث الفوضى إذا قامت المجموعة المضيفة باتخاذ قرار بالإجماع يتناسب مع ثقافتها
السائدة، بينما هذا الامر قد يعتبره الغرباء القادمون نوع من انواع الاستبداد.
إذا كانت العوامل التي تؤسس للنظام العنصري تنطلق من فرض أساسي وهو حماية الأنا من
الأخر عبر التمييز والفصل وتفريد مميزات خاصة لمجموعة ضد أخرى، هذه الأنا المتضخمة
التي تبحث لنفسها عن مبررات ضد الخوف لا بد لها أن تدافع عن ميزاتها هي باعتبارها
النموذج الفريد الذي يجب حمايته أو تعميمه على الأخر المختلف، بالرغم من أن التمييز
العنصري يستند في كثير من الأحوال إلى فروق جسمانية بين المجموعات المختلفة، ولكن
قد يتم التمييز عنصريًا ضد أي شخص على أسس أثنية أو ثقافية، دون أن يكون لديه صفات
جسمانية. كما قد تتخذ العنصرية شكلاً أكثر تعقيدًا من خلال العنصرية الخفية التي
تظهر بصورة غير واعية لدى الأشخاص الذين يعلنون التزامهم بقيم التسامح والمساواة.
يجب النظر دومًا إلى حقيقة أنَّ العنصرية تؤدي حتمًا إلى التفريق حتى بين أبناء
الجنس الواحد أو الصفات المشتركة الواحدة مما يلحق الضرر بمفهوم الإنسان الواحد. في
روما القديمة والكثير من المجتمعات التي تتبنى العنصرية كعماد لقوانين المجتمع، تجد
حتى من كان يوصف بأنه من الأحرار قد يفقد حريته لعوامل خارج مفهوم العنصر الجنسي أو
الأثني، نتيجة عقوبة أو جزاء قانوني أو حتى لمجرد وجود معارضة للنظام السائد في
المجتمع بغض النظر أن هذا التحول يضر أو يهدم أسس المجتمع، لكن الحقيقة التي لا
يذكرها إلا القليل أن الأديان والعقائد لعبت دورًا مهمًا في انتشار العنصرية بشكل
واسع في كل المجتمعات التي تؤمن بأفضلية المنتمي على غيره. وحتى داخل طبقة المؤمنين
هنالك عنصرية واضحة بتقسيمهم إلى سادة وقادة وآخرين لا يملكون هذا الحق ولو كانوا
من ضمن متطلبات الإيمان بالدين.
يقول الباحث عامر الحافي في مقالته عن معضلة العنصرية الدينية كمثال صارخ لهذا
الشكل من الانحراف العنصري المستند لقواعد الدين (لقد أفْضَت زيادة الخلط بين
الصراعات السياسية والدين، إلى إنتاج عنصريات صلبة لا تقبل النقد أو المراجعة، وفي
هذا السياق نذكر العنصرية "الصهيونية"، التي قامت باستغلال المعتقدات الدينية
اليهودية، وأعادت توظيف مقولَتَي: "شعب الله المختار"، و"الأرض الموعودة"، ونجحت في
استدراج عدد كبير من اليهود من شتَّى الأعراق والقوميات، وجعلتهم جزءًا من المشروع
الاستعماري في فلسطين، فالاعتقاد بأنَّ اختيار الله لبني إسرائيل، اختيارٌ إلهي غير
مُعلَّل ولا مشروط؛ هو نتاج فهمٍ سقيم لقول التوراة: "لأَنَّكَ شَعْبٌ مُقَدَّسٌ
لِلرَّبِّ إِلهِكَ، وَقَدِ اخْتَارَكَ الرَّبُّ لِكَيْ تَكُونَ لَهُ شَعْبًا
خَاصًّا فَوْقَ جَمِيعِ الشُّعُوبِ الَّذِينَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ". (سفر
التثنية: 14/2). هذا مثال حقيقي للفكر الديني الذي يؤمن بالعنصرية الدينية ويدعو
لها دون شعور بأن ذلك يتعارض مع وحدة الجنس البشري.
الفكر الديني الإسلامي وبروحه العربية التي سخَّرت الدين كذلك، ووفقًا لنظرية الرب
كما يقول الفكر، أسس عنصرية حادة تجاه الأخر المختلف وحتى الأخر المنتمي. فتقسيم
المجتمع على أسس الإيمان بين كافر ومؤمن هو شكل من أشكال العنصرية الدينية، على
الرغم من أن الإسلام كدين يرفض هذا التقسيم على أساس التفرقة بين من يؤمن ومن يكفر
ويعلق نتائج الإيمان أخرويًا. الإسلام كدين عندما قسم المجتمع على أساس مؤمن وكافر
لم يكن الهدف منه عزل الكفار ومحاربتهم لأنهم لا يؤمنون بالله، ولكن لتبيان القواعد
التي تضبط حركة المجتمع الإيماني وإبرازها كدليل للحياة الأفضل والأحسن مع فتح
الباب لمن يرغب بدخول الإيمان. هذا هو الفرق بين العنصرية كنظام وبين الرغبة في
الإصلاح (لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى).
في الثقافة العروبية الإسلامية والتي تستند في جوهرها إلى الجاهلية العنصرية قبل
الإسلام، نجد أنها تتبنى نوعًا آخر من العنصرية القبلية الدينية. فتفضيل العرب على
سائر الأمم فصل عنصري لا يستند إلا على معايير جاهلية، وتفضيل قريش على كل العرب هو
فصل أخر من العنصرية المركبة، ووصلوا أخيرًا إلى تفضيل بني هاشم على سائر قريش
باعتبار (أن خيار قريش في الجاهلية خيارهم في الإسلام) عزف على وتر عنصري إقصائي
يحصر الأفضلية المطلقة لفئة من الناس لديهم مشتركات أكبر مع غيرهم وهو الإيمان على
غيرهم لمجرد ارتباطهم برمز الإسلام وهو النبي، لذا تجد أن ريح العنصرية الدينية
طافحة في الفكر السياسي والدستوري عندهم وخاصة في أشتراط الرئاسة والولاية على
الناس أن يكون الخليفة والأفضلية في كل مجال لمن كان هاشميًا بالنسب، حتى أن البعض
أعتبر الرئاسة فاسدة ما لم يكن الرئيس أو الخليفة هاشميًا، حتى لو فقد كل شروط
المنافسة والتأهيل.
إذًا العنصرية الدينية هي أبشع أنواع العنصريات تأريخيًا لأنها عنصرية مركبة أثنية
وعقدية تتغلغل في الوعي الجمعي داخل المجتمع الواحد. إنَّ مَن يستحقون الخيرية
الأفضلية ليسوا هم مَن يدَّعونها، وإنما هم هؤلاء الذين يشير إليهم غيرهم بالأفضلية
والعطاء. فالأفضلية ليست تسمية يتوارثها الناس من ديانة أو طائفة بمحض الميلاد،
وإنما هي شهادة صادقة يقدمها الناس لمن يبذلون لهم الخير ( خير الناس مَنْ نفع
الناس). إنَّ أبسط دليل على فساد العنصرية ومنطقها هو تناقض مضمونها المنطقي حين
تتحول إلى معيار عام يطبق على الكل، فالعنصريون لا يرضون بأن تطبَّق عليهم معايير
التمييز التي يمارسونها تجاه غيرهم ولا يقبلون بها بينما هم يفرضونها وفق مفاهيمهم
الخاصة وحسب ما تمليه القوة والتمكن لهم، فهي بالتالي ليست حقيقة منفصلة تثبت
جدارتها في كل الظروف المختلفة، ولكنها في الغالب تستند إلى مفهوم خارجي متغير وهو
أمتلاك السلطة والتحكم الاجتماعي بها.