إمنح إن قدرتَ ولا تنسَ نفسك
 

 

تجارب الراحلين وحتى بعض الأحياء منهم تشير بل وفي الكثير من الأحيان تؤكد بأن ليس كل خيرٍ يولِّد خيراً مثله أو حتى أقل أو أكثر منه، ولا كل تضحيةٍ تلقى التقدير ليس فقط لدى مَن سمع بها أو كان شاهداً عليها، إنما حتى لدى الذين كانوا مستفيدين من تلك الآلية القائمة على التنازل عن الغالي والنفيس كرمى الآخرين؛ بينما المستفيد من بادرة المُحسن المفعم بمشاعر خدمة العامة قد يجد صعوبة بالغة ليس في رد الجميل فحسب، إنما حتى في الاتيان بربع ما قُدم له، وذلك ليس في إطار الرد المادي للجميل فقط إنما حتى في الرد المعنوي ثمّة مَن كانوا بخلاء فيه، وهذا الموقف يذكرني بالمأثور المتداول بين أبناء منطقة عفرين السورية:

"yekîrezek da yekî ê birîjînikarîgoşiyektirîbidayê rez dayiyê "


أي بما معناه: أن "أحدهم أعطى كرم عنبٍ بأكمله لأحدهم بينما الآخر لم يستطع أن يعطي مَن وهبه الكرم برمته عنقودَ عنب"، ومن كل بد أننا عِبر ذكر هذه المواقف لا نطلب من الشخص الخيّر والمعطاء أن يُحرم نفسه من متعة المنحِ، بما أن العطاء أيضاً يجلب السعادة للمانِح مثل الممنوح كما يجلب المال والطعام والجنس لدى الغير، ولكن المنطق يقول إن عليه أوان المنحِ أن لا ينسى نفسه، وذلك حتى لا يكون في يومٍ ما مِن النادمين أو مستعطياً على بابِ مَن لا يطيب لهم إلاَّ الوقوف في طوابير المتلقفين وليس خلفَ كواة الواهبين.

ولا بد للمُعطي من التفكير الجدي في ما يقدم عليه، ليس من أجل التراجع عما يراه جديراً بالقيام به، إنما حتى لا يسمح لنفسه في الغد بأن يقع في هاوية التحسر على ما بدر منه، ولكي لا يسمح للآخرين بأن يشمتوا به على ما صدر عنه، ويغدو حسب تصورهم: بأنه كان مسرفاًفي تصرفاته وفَعلَ ما فعل من باب التسرع أو من باب المزايدة أو التطرف في الجود، هذا بدلاً من الوقوف بجانبه ومؤازرته وتخليصه من الضائقة التي وقع فيها، وعلى فاعِل الخير أن يكون على دراية بتجارب السابقين حتى لا يتلهف في الغدِ على ما صنعت يداه من قبل، أو حتى لا يُمنّن الناس على ما بذله من أجلهم وعندها لن يكون لصنيعه الخيّر أيُّ أثرٍ محمود، أو لكي لا يندم لاحقاً على سخاءٍ قام به في السابق، وأن يتصور كل حين بأن مَن وهبهم قد ينكروا فعله الحسن في قادم الشهور والسنين، فعند تذكر كل هذه الاحتمالات ليس عليه ملامة أحد من أبناء المجتمع عندما يُقابَل جوده بالإنكار، ويصدر عن واحدهم الجفاء المُر نحو مَن كان كالغيث المُستَطَاب معهم.

وفي هذا الصدد فقد أبدع الشاعر اللبناني الراحل جوزف حرب في قصيدةٍ له عمّن قدم الغالي والنفيس ولكنه في الأخير لم يجد أحداً قدَّر ذلك الموقف، أو عامله بالمثل وحيث يقول في قصيدة: ((لا أحد))
"وهبتَ
جميعَ جياعِ الأرضِ
رغيفكْ
ووهبت جميع عطاش الأرضِ
جِراركْ
ووهبتَ جميع المظلومين
سيوفكْ
ووهبتَ لمن لا يغفو ليلكَ
أعطيتَ لمن لا شمسَ لديه
نهارك
قدمت
لكلِّ جباه رِفاقكَ غاركْ
وفتحتَ لهذا العابر
داركْ
وجعلتَ الكل قريباً منكَ
وجاركْ
لكن
منذ أن قلَّ بكفيَّكَ القمحُ
ومِمْحاة الفَقرِ مَحَتْ ناركْ
لا أحدٌ
زارك".

حقيقةً عزَّزَ هذا الموضوع حضوره في بالنا بعد أن وُجِّه في الآونة الأخيرة إلى مريضٍ من أقربائي كان قد أصيبَ بالفالج منذ أكثر من سنتين وعاد يقدر على الكلام رويداً رويداً السؤال التالي على الهواء مباشرةً في وسائل التواصل الاجتماعي: يا ترى بعد هذه النكسة التي ألمَّت بك ورأيتَ بأم عينك كيف أن بعض من خدمتهم في أكثر من مناسبة لم يكلفوا أنفسهم حتى عناء السؤال عنك، وفي الوقت نفسه هناك مَن قدموا ما يقدرون عليه مِن ضروب المساعدة ولم يردوا لنا طلباً ـ أي صاحب السؤال ـ كانوا قادرين على تنفيذه؟ فكان الرد من المريض الذي بدأ يتعافى تدريجياً بأنه سيكون مثل الأوَّل ويخدم الناس كسابق عهده، ولن يُغيِّر من استراتيجيته الحياتية التي كان عليها قبل أن يصبح طريح الفراش.

صراحةً كان الرد مثلجاً للصدور، وأعطى رصيداً معنوياً مضافاً للخيرين ممن استمعوا إليه آنئذٍ، كما أن المريض على الأغلب كان يرى بل ويُمعن النظر في النصف المليء من الكأس، ولم ينظر أو ينتبه حتى للنصف الفارغ منه، ذلك النصف الذي ضم مَن خذلوه ومَن تخلوا عنه أومَن تناسوه؛ نعم تجربة قريبي كانت رغم قساوتها مهمة وفيها دفعة معنوية قوية لأهل البر والإحسان، وعلى الأغلب ليس كل من مروا بهكذا تجارب قاسية كانوا مثل ذلك الرجل الطيّب.

وفي ما يتعلق بتجارب السابقين ممن تفصلنا عنهم القرون لا نعلم ماذا كان رد جميل أحد أعضاء مجلس الشيوخ في روما الذي كان صديقاً للفيلسوف اليوناني أفلوطين (204- 270) عندما حرَّر عبيده وتخلى عن ممتلكاته وأصبح يأكل وينام لدى أصدقائه لأنه لم يعد يملك شيئاً وفق ما ذكره اميل سيوران، ولكننا سمعنا ما كان بخلاف التوقع في الإطار ذاتهوفقرواية مَن عايشوا تجربة قريبة منها ولا نقول مماثلة، باعتبار أن ذلك الاقطاعي الذي في منطقتنا جُرّد من أملاكه بالإكراه من قِبل السلطات الحكومية في سورية، ولكن حسب مَن كانوا شهوداً على الواقعة أن الرَّجلَ أي صاحب إقطاعات ثماني قرى في ناحية جنديريس بعد أن جردته الدولة من ممتلكاته اضطرفي بعض الأحيانللمجيء إلى معاصر قرية (......)*التابعة لناحية جنديريس في منطقة عفرين ليعطوه مقدار كفاية مونة السنة من زيت الزيتون، وكان في بعض الجولات يُصادف في المعصرة مَن يستكثرون عليه تنكتين من الزيت كـ:"صاحب كرم العنب"، علماً أن والد الرجل كان في الأمسِ القريب صاحب إقطاعات كل تلك القرى!!!

وبما أن مجتمعاتنا ما تزالبؤر حيةللتخلف الاجتماعي الذي يرافقه العديد من الأمراض النفسية التي تمنع عادةً صاحبها من رؤية الحق أو اتخاذ موقفٍ عادل حيال المواضيع والاشكاليات والقضايا التي تصادفه في شعاب الحياة، لذا على المتنورأوالشخص المعطاءأوفاعل الخير أن يتذكر على الدوام قول الشيخ اللبناني الراحلمحمد رشيد رضا: "الثائر لأجل مجتمعٍ جاهل مثل شخصٍ أشعل النار بجسده كي يضيء الطريق لشخصٍ أعمى"، أو أن يتذكر كل هنيهةٍ الحادثة التي جرت مع الثائر الأرجنتيني تشي غيفارا الذي أبلغ عن مكانه أحد الرعاة، إذ عندما تم القبض على ذلك الثائر العالمي في مخبأه سألوا الراعي لماذا أبلغتَ عن رجلٍ قضى حياته في الدفاع عنكم وعن حقوقكم؟ فأجاب الراعي: كانت حروبه مع العدو تخيف أغنامي!! وذلك لأن آفاق الراعي لا تتجاوز مضارب مواشيه وآخر هم لديه هو قضية تحرير الأوطان أو استقلالها.

وما يزال الحال هو نفسه في بلادنا، إذ أننسبة كبيرة من القرويين الذين ارتبط وعيهم الذاتي والعائلي بمحيطهم الحيوي فقط، وضعهم حالياً كوضع الراعي لدى غيفارا في أمريكا اللاتينية آنذاك،إذ من الصعب عليهم التفكير خارج ذلك العالم الضيّق الذي وجدوا أنفسهم فيه، وحيث أن واحدهم لديه فكرة ألا يخسر عشرُ ليراتٍ من جيبه أهمبكثير من كل مشاريع التنمية التي يفكر بها أبناء المدن أو أبناء القرية المقيمين في الخارجممن يعملون لأجله ويسعون لتحسين واقعه، وهذا القروي على استعدادٍ دائم لأن يُفشّل المشاريع التي ينوون القيام بها أو العمل عليها أولئك الذين تجاوزوا تخوم أناهم وقبروا الأمراض النفسية المنتشرة في مجتمعهم عميقاً وجاؤوا لخدمته وخدمة مَن هم على شاكلته، لذا على الخيرين في كل مرحلة أخذ هذه الأمراض الاجتماعية بعين الاعتبار، وذلك حتى لا تثبط همِمهم عندما يروا بأم العين بأن مَن يتم العمل لأجلهم قد يكون واحدهمأوَّل المعرقلين لأي مشروعٍ خيري، تنموي أو خدمي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*لم نذكر اسم القرية عن عمد لئلا نُحرجَ أحداً من أبناء تلك القرية.