المقال
ماجد ع. محمد
سورية
بما أن تلقف المعارف لديَّ كفرد، ومعظم
القراءات عندي كشخص، متعلقة بدايةً بالفائدة
المرجوة منها، باعتبار أن الجانب الترفيهي في
القراءة يكاد يكون معدوماً لدي بعكس ربما
الكثير من هواة القراءة، لذا أُصابُ بنوعٍ من
الانتكاس عندما أقرأ كتاباً بأكمله ولا أخرج
منه بفكرة أو حكمة أو معلومة أو صورة أدبية
تتكفل بنقلي ولو بُرهةً إلى أماكن جد بعيدة،
لا لأغدو لاجئاً أو مهاجراً استطاب العيش في
تلك المرابع، ولا لأتوه حيناً إلى أن أجد ذاتي
في متاهات الغياب، إنما لتتوطد علاقتي من جديد
بهن، وما كان ههنا على وجه هذه البسيطة.
أترك مداخلة
شكرا لمداخلتك،
وحيال المقروء لا مراء أننا أحياناً لا نحتاج
إلى مَن يمطرنا بالأسئلة حتى نجيب عن تساؤلات
الآخر، بل وهل ترى الواحد منا وهو منتج
ومستهلك لنفس البضاعة في آن واحد، فنطرح عدة
تساؤلات وسرعان ما نجيب عليها بأنفسنا، ومن
تلك التساؤلات التي داهمتني كقارئ عقب إنتهائي
من قراءة رواية "بريد الليل" لـ: نجوى بركات،
ومن ثم البدء بديوان"نجهل الوجه الذي سيختتمه
الموت" وهو عبارة عن مختارات من الشعر
الإيطالي ترجمها إسكندر حبش، حيث تساءلت يا
ترى ما الفرق بالنسبة لي بين قراءة ديوان من
الشعر أو قراءة رواية من الروايات؟
فلم أنتظر حقيقةً الرد من غائبٍ أو حاضرٍ ما،
إنما أجبتُ على تساؤلي بنفسي قائلاً: إن في
الرواية إن لم ينجح الراوي أو مترجم الرواية
بأن يحتفظ بك، ويأسرك وكأنك المسرنم السائر
على صراط الأسطر بدون أن تبدي أي مقاومة،
بكونك فَرِح بتلك السرنمة، وترى نفسك من تلقاء
ذاتك متتبعاً أثر الكلمات والسطور والصفحة تلو
الصفحة، ستكف عن القراءة منذ البداية وتضع
الكتاب جانباً غير نادم إلاَّ على إهراقك ثمن
شرائه، هذا إذا لم يكن القارئ صحفياً مخادعاً
ممن يقلبون صفحة هنا وصفحة هناك، ويقفزون من
فوق فصولٍ بأكملها وفي النهاية يستلون بضعة
جمل أو حفنة تصورات من مجل الرواية، ربما
للتفاخر في حضرة الخلان بالمقروءات كما هو حال
النّهِم المتفاخر الذي يتباهى بعدد المطاعم
التي يرتادها وأنواع المأكولات التي يتناولها
كل يوم، وذلك ليقول القارئ البانورامي بأنه
قرأ الرواية بناءً على القطوف التي أتى بها من
شواطئ تلك الرواية، أو ليقنع ذلك القارئ نفسه
ولو كذباً بأنه قرأ العمل، أو قد يلجأ الصحفي
أو الكاتب إلى آلية الإلتقاط العشوائي للسطور
من أجل كتابة مادة صحفية عن العمل الذي لم
يحظى حقيقةً إلاّ بقراءة بضعة أسطر من سياق ما
ورد فيه.
بينما في الشعر فحتى ولو كانت الصفحات الأولى
مملة، وحتى لو لاحظت بأن ما تقرأه حالياً دون
توقعك له، أو رأيت بأن حزمةً كاملة من القصائد
جاءت بخلاف ذائقتك، مع ذلك عليك أن لا تكف عن
المضي قدماً في رياض الكلمات، وأن عليك أن لا
تقفز من فوق السطور أو الصفحات كما قد تفعل مع
أي مُنتج آخر، لأنك لا تدري في أيّ سطرٍ ستعثر
على ضالتك، على الكنز الجمالي المنتظر، على
اللُقية التي تُشعرك بالانتعاش، بالفلاح
والاطمئنان على أن جهودك لم تذهب سدى، وعلى أن
انتظارك وصبرك كان ضرورياً حتى تتنعم بالفكرة،
أو الصورة، أو المفارقة، أو لُب الموضوع
الكامل الذي عثرتَ عليه بعد أن خلّفت وراءَك
عشرات الأسطر التي كانت بمثابة الطريق الوعر
الذي سيقودك إلى هذه الواحة الغناء.
إذ حالك مع قراءة الشعر على وجه العموم
وبالأخص المترجم منه، كحال الصيّاد الذي ينتظر
ساعات طوال وربما النهار بأكمله، حتى يحظى في
الأخير بدرّته، سمكته التي ستكون بمثابة
الممحاة التي تمسح كل تعب الساعات العجاف التي
سبقت لحظة إلتقاط القلادة، إذ شأنك كقارئ
للعمل الشعري بعد قراءته سطراً بسطر شأن ذلك
الصيّاد الذي يتوّج نهاره بسمكة تتلألأ وكأنها
جوهرة التقطها الباحث عن اللُقى الأثرية بعد
نهارٍ كامل من الحفر والنبش، فتعثر في سياق
قصيدةٍ ما من بين قصائد العمل الشعري ككل على
ضالتك التي هي عبارة عن شذرة ملهمة، أو لوحة
فنية مشرقة، أو مفارقة صادمة أو عبارة تختزل
موضوعاً بأكمله، لذا لا ينبغي لك معاملة
الديوان كمعاملتك للرواية وبأن تصدر حكمك منذ
الأسطر أو الصفحات الأولى، إنما عليك متابعة
الغرفِ منهلاً فمنهل، ترعةً فترعة، معولاً
وراء معول وأنت تحفر الدشم التي أمامك سواء
كانت جبلاً من تراب أو صخر أو حجر، أو جبلاً
من الجليد الصلب، وكل ما عليك هو عدم
الاستسلام إلى أن تحظى بالجواهر التي تبحث
عنها كحال صاحبك الصياد.
وبما أني كما سبق وقلت تعودت منذ سنوات أن لا
أقرأ لتمضية الوقت أو للتسلية أو لمجرد
الفضول، ولا أقرأ إلاّ لغرضين وهما بلوغ لذة
تجرع المعرفة، والغاية الكبرى هي الفائدة
المرجوة من عملية القراءة، ولا أخفي القارئ
إنزعاجي الواضح في حال لم يترك المقروء أي أثر
فيَ عقب الانتهاء مما كنت أتزود منه، وعلى
سبيل الذكر وليس الحصر فمن الكتب التراثية
التي فشلت عملياً في الخروج بالدُّر المرجوة
منها هذا العام، كان كتاب الرهبان للحافظ بن
أبي الدنيا، وكتاب آخر وهو عبارة عن منتخبات
تراثية وحيث لم يرق لي من مجموع ما ضم بين
دفتيه من الحكايا والعِبر غير قصة الإمام مالك
بن دينار مع السارق، وهي قصة جميلة، معبرة
ومفيدة في عمليات الإرشاد، وبما أن قصة السارق
طويلة لذا سنكتفي بإيراد مقولتين للإمام مالك
وهما:"من طلب العلم لنفسه فالقليل منه يكفيه،
ومن طلبه للناس فحوائج الناس كثيرة" وقوله:
"من علامات المنافق مزاحمة الآخرين على
الدنيا، والإنفراد بالصيت".
![]()
سوف يتم نشرها أسفل مقال الكاتب

