الشيوعيون البورجوازيون
|
أقول للذين يستهجنون مثل هذا العنوان إن من تسبب في انهيار مشروع لينين الشيوعي
هم "الشيوعيون البورجوازيون" وليس أي عدو آخر. الشيوعيون الذين يحجمون عن البحث عن
أسباب انهيار الثورة الشيوعية هم شيوعيون بورجوازيون وإلا كيف يمكن لشيوعي يرهن كل
حياته لقضية الشيوعية ثم فجأة تنهار الشيوعية وهو لا يعرف لماذا انهارت ولا يسعى
لأن يعرف!! ألا يدل هذا على أن هذا "الشيوعي" لم يكن شيوعيًا بل أفّاقًا منافقاً !؟
السفهاء من هؤلاء القوم يقولون إن ما كان في الاتحاد السوفياتي هو رأسمالية الدولة
وليس الاشتراكية دون أن يتحرجوا من إحجامهم عن تحديد اشتراكيتهم البديلة، وبعضهم
يعزو الانهيار إلى غياب الديموقراطية دون أن يتحرجوا من تجاهلهم لديموقراطيتهم
المضمرة وهي ليست غير الديموقرطية البورجوازية – ديموقراطية بورجوازية دون
بورجوازية!! ويدعي آخرون أنَّ السبب كان البيروقراطية وكأن البيروقراطية تلد طبقة
اجتماعية معادية!! ولا تعدم بين هؤلاء الشيوعيين البورجوازيين من يقول إنَّ
الانهيار إنَّما كان بفعل المخابرات الأميركية.
طبعًا مثل هذا التشتت والضياع في تحليل انهيار الاتحاد السوفياتي وعزوف مختلف
الأحزاب الشيوعية عن البحث الجاد في انهيار مشروعهم الاستراتيجي، الانهيار ما كان
ليكون لولا أنهم هم أنفسهم، الشيوعيون البورجوازيون، كانوا العلة الأولى والأخيرة
لانهيار الثورة الشيوعية. ويصل بهم الفجور إلى رفض قراءة التاريخ، تاريخ الاتحاد
السوفياتي في الخمسينات حيث كانت الضربة القاصمة للنظام الاشتراكي هي قرار اللجنة
المركزية للحزب الشيوعي السوفياتي بإلغاء الخطة الخمسية الخامسة (1951 – 55) في
سبتمبر 1953 التي كانت بموجب الأرقام الواردة فيها ستجعل من الاتحاد السوفياتي في
العام 55 أغنى دولة في العالم وتؤكد الإنتصار النهائي للنظام الاشتراكي على صعيد
العالم بموازاة ما تحقق في الانتصار في الحرب . كان القرارانتهاكًا فظًا للقانون
العام حيث لا يجوز للجنة المركزية أن تعيد النظر في قرارات المؤتمر العام للحزب،
ناهيك عن إلغائها، وكانت الخطة الخمسية الخامسة أهم قررارات المؤتمر العام التاسع
عشر للحزب في أكتوبر 52 . حجة الإلغاء كما أعلنها القرار هي بناء القدرات العسكرية
للاتحاد السوفياتي في مواجهة حلف الأطلسي علمًا أنَّ القدرات العسكرية لكل دول حلف
الأطلسي لم تكن لتوازي 10% من قدرات الاتحاد السوفياتي كما ثبت ذلك في الحرب
العالمية الثانية. وكان ستالين قد سخر من تشكيل حلف شمال الأطلسي في العام 49
قائلاً باستخفاف:
"لن نحاربكم لكننا سنهزمكم بالمنافسة السلمية". أميركا الذرية وبريطانيا عجزتا عن
هزيمة اليابان إلا بعد أن قام الجيش الأحمر بتحطيم كامل القوى العسكرية لليابان في
منشوريا في ما بعد قنبلة ناغازاكي في 9 أغسطس 45. وكتبت إحدى الصحف الأميركية
مؤخرًا تقول إن ترومان تذلل كثيرًا لستالين في مؤتمر بوتسدام من أجل مساعدة أميركا
في الحرب على اليابان.
في مواجهة قرار اللجنة المركزية بإلغاء الخطة الخمسية لأجل التسلح نعود إلى الخلاف
الحاد بين ستالين وقيادة الجيش الأحمر في العام 1936 وإصرار ستالين على عدم زيادة
اعتمادات الجيش لأن من شأن ذلك الحد من تطور الاشتراكية بموجب قاعدة ستالين الثابتة
. ذلك ما حدا بالمارشال توخاتشوفسكي للقيام بانقلاب عسكري انتهى به إلى الإعدام
وعشرات من رفاقه.
لكن كيف ولماذا تسللت البورجوازية الوضيعة إلى الحركة الشيوعية حتى شكلت الأغلبية
الغالبة في الأحزاب الشيوعية وانتهت بالتالي إلى تقويض مشروع لينين في الثورة
الاشتراكية العالمية؟ ما يجدر ذكره في هذا السياق هو أن يوسف ستالين كان أول من
حذَّر من هذا الخطر في كتابه "حزب العمال الاشتراكي الديموقراطي وواجباته الملحة"
وقال إنَّ الانتلجنسيا والبورجوازية الوضيعة في قيادة الأحزاب الاشتراكية ليس لها
مصلحة في نجاح الثورة الاشتراكية وهي لذلك سرعان ما تعقر الثورة حيث يتملكها الرعب
دائمًا من شبح الشيوعية وكان ذلك في العام 1901 حين كان ستالين في بداية العشرينات
من عمره، وكأن ستالين يكتب ذلك في العام 1951. وفي محادثة خاصة أكد لينين لرفيقه
ستالين... "أن عشرات الألوف من طبقة البورجوازية الوضيعة سيسارعون إلى الإنضمام إلى
حزبنا بعد أن نتولى السلطة لكننا بالطبع لن نرحب بهم". وفي العام 1922 طلب لينين من
قيادة الحزب طرد مئة ألف عضو من الحزب لا بد أن يكونوا من البورجوازية الوضيعة
نجحوا في التسلل إلى صفوف الحزب؛ وبالفعل تشكلت لجنة لمراجعة أهلية مئات الألوف من
أعضاء الحزب لكنها لم تستطع أنْ تطرد أكثر من 20 ألفا كان من بينهم للمفارقة زوجة
ستالين التي لم تشأ أن تعلن عن علاقتها بستالين. كان لينين قد اشترط على الحزب
الشيوعي في الأممية الشيوعية أن يطهر صفوفه بين الفينة والأخرى من عناصر
البورجوازية الوضيعة في الحزب.
السبب الرئيس لانثيال متثاقفي طبقة البورجوازية الوضيعة على تبني الماركسية
والانتساب بالتالي إلى الحزب الشيوعي هو حقيقة الماركسية التي قلّما انتبه إليها
أحد؛ الماركسية هي بحق الحقيقة المطلقة التي استغرقت علوم الفلسفة منذ فجر التاريخ.
على أولئك الذين يرفضون وجود الحقيقة المطلقة أن يعتبروا النفي المطلق للحقيقة
المطلقة هو نفسه الحقيقة المطلقة المتمثلة بالديالكتيك، وحسب ماركس فإن نفي الحقيقة
المطلقة هو نفسه الحقيقة المطلقة، فالثابت علميًا أن الشيء ليس هو نفسه في ذات
اللحظة وما ذلك إلا بسبب الديالكتيك.
لبناء الماركسية على أساس الحقيقة المطلقة وهي الديالكتيك قام البناء راسخًا لا
تهزه أعتى العواصف والرياح وفي داخل هذا البناء يمكن الاجابة على كل الأسئلة التي
تطرحها الحياة؛ ولذلك اجتذبت الماركسية متثاقفي البورجوازية الوضيعة الأفاقين لأجل
استخدامها سلّمًا ثابتًا وعاليًا يرفع شخوصهم إلى مكانة اجتماعية مرموقة؛ مثل ذلك
كان الأفاق تروتسكي.
يقال عادة في الأدب الشيوعي إنَّ الماركسية هي نظرية الطبقة العاملة وهذا ليس
صحيحًا إلا بمقدار ما تأخذ بها الطبقة العاملة كيما تكون قادرة على محو الطبقات
جميعها بما في ذلك طبقة العمال نفسها والانتقال إلى المجتمع الشيوعي الخالي من
الطبقات؛ الماركسية هي أساسًا النظرية العامة للتطور وقام ماركس بتفسيرها في قراءة
التاريخ قراءة موضوعية لا تعتريها أية أهداف خاصة؛ ولذلك عندما نقول إن الماركسية
إنما هي القراءة الموضوعية للتاريخ فإنما نعني الاستدلال على النظرية العامة للتطور
من خلال القراءة الموضوعية للتاريخ.
ما لا مندوحة عن التوقف عنده بكل اعتبار هو أنَّ الماركسية التي تحدد القانون العام
لفلسفة الوجود، والحياة بكل تجلياتها هي أحد تهيؤاته، هي صعبة على الأفهام. عاركتُ
الكثيرين من قادة الأحزاب الشيوعية وأدعياء الماركسية خلال عمري السياسي الممتد
لأكثر من سبعين عامًا دون أن أجد بينهم من هو ذو اعتمادية ماركسية. ذلك هو حال رجال
النخبة فما بالك برجال العامة؟! أبناء الطبقة العاملة يروحون إلى الشغل قبل أن
يروحوا إلى المدرسة من أجل تأمين الشروط الأولية للحياة. عانى عمال العالم من قصور
في الوعي الماركسي بصورة مروّعة وقد تبدّى ذلك في كومونة باريس 1871، وحتى أن
أعلامًا في الفكر الماركسي لم يسلموا من بعض أعراض القصور من مثل روزا لكسمبورغ
وكارل لبكنخت وأنطونيو غرامشي، ومن قصور صارخ لدى الدكتور سمير أمين من مصر ومهدي
عامل من لبنان . طبعًا انتقل مثل هذا القصور إلى الأحزاب الشيوعية وقياداتها. حسبنا
هنا أن نشير إلى اعتراف لينين لرفيقة ستالين في العام 22 أنه كان قد فكّر في أن
يستقيل من الحزب لأن قيادته ليست ماركسية، وأن نستذكر استهجان ستالين للقصور الفكري
لدى رفاقه في المكتب السياسي للحزب في العام 38 متسائلاً... "ما بكم لا تقرؤون
ماركس!؟" - وهو ما دعاه لأن يأخذ إجازة لأيام لكي يكتب مؤلفة الشهير "المادية
الديالكتيكية والمادية التاريخية"، وأمر بتوزيعه على مختلف كوادر الحزب لدراسته
بعمق.
مبكرًا في العام 1871 عرف ماركس أنَّ البروليتاريا، حتى في أحد مراكز قواها في
العالم، باريس، لم تكن في مستوى الوعي بذاتها وانتهت الكومونة إلى مأساة تاريخية
قُتِل فيها عشرات آلاف العمال. لذلك حلّ ماركس الأممية الأولى في العام 73 ولم
يمارس بعدئذ الفعل السياسي قبل رحيله في العام 1883. ومثله فعل رفيق عمره إنجلز إلى
أن كان في العام 1889 قد برز في العديد من الدول الأوروبية أحزاب اشتراكية ذات
حضور، فدعا إنجلز أحزابًا اشتراكية وعمالية من عشرين بلدًا منها الولايات المتحدة
للاجتماع في باريس حيث تم تأسيس الأممية الثانية بقيادة إنجلز، ثم تبيّن في العام
1912 أنَّ تلك الأممية بقيادة "المرتد كاوتسكي" لا تضم إلَّا أحزابًا للبورجوازبة
الوضيعة مما دعا البلاشفة بقيادة لينين إلى الخروج من تلك الأممية وإدانتها.
خيانة الأممية الثانية للطبقة العاملة، وقد سمحت لأحزابها الاشتراك في الحرب
الإمبريالية المتوقعة بحجة الدفاع عن الوطن، علَّمت لينين درسًا في غاية الأهمية.
علَّمته أنَّ البورجوازية الوضيعة تمتلك من القوى الفكرية والمعرفية ما يجعلها
قادرة على اختراق أقوى حصون البروليتاريا منعة؛ ولذلك كتب في كتابه "الضريبة
العينية" في العام 21 يقول... "يجب فضح قصور الشيوعيين الذين لم يدركوا أنَّ
البورجوازية الوضيعة هي العدو الرئيسي للاشتراكية في الاتحاد السوفياتي".
وكان لينين قد اشترط على كل حزب شيوعي أن يقوم بين الفينة والأخرى بتطهير صفوفه من
عناصر البورحوازية الوضيعة التي تكون قد نجحت في التسلل إلى داخل صفوفه، وبغير ذلك
يفقد الحزب روحه الشيوعية مع الزمن. لم يقم الحزب الشيوعي السوفياتي بتطهير صفوفه
منذ العام 38 وحتى العام 53 بسبب الحرب وتداعياتها وعندما اقترح ستالين الاستغناء
عن قيادة الحزب في مؤتمر الحزب التاسع عشر عام 52 لأنها لم تعد في المستوى المطلوب،
لم يوافق الحزب على الاقتراح، بل تم اغتيال ستالين لهذا السبب. كما أنَّ العدوان
الهتلري الآثم عمل على خفض منسوب الروح الشيوعية في الحزب حيث تقدم الشيوعيون
الصفوف في الدفاع عن الوطن وفقد الملايين منهم الحياة فدى الوطن.
ثبت أنَّ الشيوعية البورجوازية هي المرض العضال الذي لم تبرأ منه الحركة الشيوعية
يومًا، وقد ساعدها العدوان الهتلري الآثم في الانتصار على الشيوعية البروليتارية
(البلشفية) . فمنذ ظهور خروشتشوف وعصابته على رأس السلطة في الاتحاد السوفياتي مركز
الثورة الاشتراكية لم يبقَ شيوعي بروليتاري واحد. حاول ماوتسي تونغ في الصين وأنور
خوجه في ألبانيا ونيقولاي تشاوتشسكو في رومانيا الثبات على خط الشيوعية
البروليتارية لكنهم فشلوا لأن الثورة الاشتراكية لا بد أن تكون ثورة واحدة متماسكة
أطرافها مع المركز. نجيل النظر اليوم في فلول الأحزاب الشيوعية القائمة اليوم وفي
كتابها وإعلامييها فلا نجد شيوعيًا حقيقيًا (يولشفيًا) واحدًا!!