هل انجبت الكراهية مستقبلاً افضل؟!
|
ترافقت مشاعر الكره مع تاريخ البشرية لطوال مليارات
السنوات، إلَّا أن الإنسان، "المقصود هنا المثقف"، ناضل وبقوة ضد الكره، وأبرز مثال
على ذلك الفيلسوف الفرنسي فولتير. وهنا حددت، حسب اعتقادي، أنَّ الكراهية عبارة عن
مشاعر، بمعنى آخر إنها قابلة للتغير. وبقناعتي فإن هذه المشاعر "الكره" تبرز في حيز
الثقافة التي يتلقاها الفرد ضمن العائلة والوسط الاجتماعي والتعليم. فرب العائلة
يسعى وبقوة إلى غرس مفاهيمه في عقول أبنائه، والوسط الاجتماعي يتبادل معلومات
يعتبرها مقدسه رغم عدم وجود أي دليل عليها عن الآخر المختلف، ويرفض كل مختلف معه،
وقد يصل الأمر مع المختلف إلى تصفيته الجسديه كما في حركات الأصولية الجهاديه في
مصر وتونس. أمَّا التعليم فخزينه عندنا هائل عبر كتب التاريخ وغيرها.
مــــــــا الباعث لتغول الكراهية ؟!
كورونا كمثال... تنتشر في الأزمات المشاعر السلبية كالخوف والغضب والحزن والقلق
والخشونة وضعف العاطفة وعدم التسامح. هذا نتاج إحساس الانسان بالعجز في مواجهة
المجهول. ولأنَّ الانسان العادي يبحث عن الحلول السهلة والسريعة فنجده، من دون وعي،
ينساق إلى كره الآخر وتحميله كل المآسي التي يواجهها. وهنا ينقاد إلى وعيه الباطني
كما يسميه فرويد، حيث أنَّ الوعي الباطني هذا هو عبارة عن خزين للتربيه والثقافة
التي نشأ عليها الفرد .

شيطنة الآخر، أو التعبير الأكثر تداولًا " الله يفنيهم" تحمل من معاني الكره الكثير،
وهو ينطق بهذه المقولة متناسيًا أنَّ مَنْ أصابتهم كورونا بمقتل فيهم المؤمن
والصادق والنزيه والعالم والجاهل، فيهم من جميع الديانات وأعراق البشر والقوميات.
هذه الرغبة المكبوتة في أعماق الوعي الباطني في كره الآخر تعبِّر عن ظلامية العقل
الباطني وأنانيته المفرطة، وهي لا تقل كارثية عن وباء كورونا، وقد كشفت عن نفسها في
حالة ضعف إنساني ولكن بأبشع صورة، لأنها اخذت رصيدها من ثقافة عميقة الجذر تاريخيًا
وواسعة اجتماعيًا.
يعطينا التاريخ أمثلة في استغلال المشاعر السلبية لدى عوام الناس. فمثلًا فرهود
اليهود في العراق ومذبحة العائلة المالكة العراقية. وكذلك الايزيديين والأقليات
الدينية وحروب الإبادة ضد الكورد. كذلك في ألمانيا واستغلال مشاعر الكره ضد اليهود
وتحول ذلك إلى معسكرات العزل وأفران الإبادة وصهرهم وتحويلهم إلى زيوت. وما قدمه
لنا التاريخ الحديث أنه في تسعينات القرن الماضي أدت حروب الكره بين الهوتو
والتوتسي في رواندا إلى إبادة مليون فرد. ومن تاريخنا أيضًا، وكأحد الامثلة
الموثقة، فإن صلاح الدين الأيوبي، مفخرة الفكر القومي العربي، قام بتحطيم الدولة
الفاطمية في مصر نتيجة لكرهه للتشيع. ولم يكتفِ بذلك بل عزل نساء تلك الخلافة عن
رجالها من أجل إنهاء النسل.
دعونا نسترشد بالحاضر... لما بعد مقتل جورج فلويد. ما الذي دفع بالجموع الهائلة أن
تندفع نحو سرقة محال تجارية، وإن تمعنا في الفيديوهات المتوافرة نجد أن الغالبية
المشاركة هي من أصول أمريكا الجنوبيه.
والسؤال الأهم، بتصوري، ما الذي جعل هذه الجموع تندفع بعنف نحو تحطيم تماثيل
لشخصيات تاريخيه، رغم أنَّ تلك التماثيل تمجد وتخلد الفنان الذي قام بنحت ذلك العمل
الفني أكثر مما تخلد الشخصيه نفسها. إنَّها ثقافة الكره المتأصلة في الوعي فخرجت
بمخزونها تبحث عن ما تدمره فدمرت حتى نفسها عبر تدمير تراثٍ إنساني، ورغم أن تحطيم
تلك التماثيل لن تعيد التاريخ وتصححه، فهو شيء قد مضى.
إنَّ مواجهة ثقافة الكراهية تقع على عاتق الأجهزة الإعلامية والمثقفين، عبر مناقشات
رصينة. لقد فشلت الدولة فشلًا ذريعًا عندنا في منطقتنا، وبالأخص في الدول المتعددة
القوميات والأديان والمذاهب، مثل سوريا والعراق ولبنان، في بناء دولة التعدديه
القومية والدينية، سواء كانت مقادة من قبل أحزاب القومية العربيه أم الإسلام
السياسي، على الرغم من أنَّها جاءت بعد مرحلة التحرر الوطني؛ فهي فشلت فشلًا ذريًعا
في بناء او نسج علاقات صحيه بين المواطنين، لا بل لم تسعَ إلى ذلك أصلًا.