شيعي، شيوعي، شركَاوي: الغريزة الدينية وأقنعة الحداثة

 

 

إنَّ القول بوجود (حاجة غريزية لدى البشر إلى المقدس الديني، رغم الحداثة والعلم) أصبحت معروفة ومبحوثة في أوروبا وأمريكا منذ سنوات عديدة. (1) وأنا أعيش في أوروبا أشاهدها وأكتشفها لدى الأوروبين ثقافًة وسلوكًا، شعوبًا ونخبًا. لكنَّ كلّ مجتمع مهما كان حداثيًا وحتى ملحدًا، فإنَّه يُعبّر عن هذه (الغريزة الدينية والحاجة إلى التقديس) حسب ثقافته وتراثة وديانته الأصلية. وقد تجلى (المقدس) لدى الجماعات الحداثية وغير الدينية باسم (العقائد الفلسفية والحزبية: شيوعية، اشتراكية، ليبرالية، قومية...). مثلًا (نظرية داروين عن الأصل القردي للانسان)، رغم أنها (نظرية، أي فرضية لم تثبت بعد)، إلَّا أنَّها اصبحت (مقدسة) وحلّت محل (قدسية قصة آدم وحواء). كذلك فكرة(الله خالق كل شيء) استبدلت بـ(الطبيعة والصدفة خالقة كل شيء). وفكرة (الكافر الزنديق) استبدلت بـ(الرجعي المتخلف)... وفكرة(العقاب والثواب والجنة الموعودة) استبدلت بـ(حلم المجتمع الفاضل، الشيوعي أو الليبرالي، حيث السلام والعدالة والمحبة، حتى مطلع الفجر...)!

يكفينا معاينة طروحات (اللادينيين والملحدين) كي نكتشف أنهم لا يختلفون عن (المتعصبين الدينيين) بـ(تقديسهم) لأفكار ومقولات لا تقبل الجدل أو التشكيك، وكل من يعارضها هو (رجعي متخلف، أي كافر زنديق)!

مثال العراق مع الشيوعيين والماركسيين

لو بحثنا عن هذه الحالة في العراق الحديث، وأخذنا مثال (الشيوعيين والماركسين) الذين أعرفهم أنا جيدًا لأنني كنت منهم في شبابي الأول، لوجدنا أمثلة لا تحصى عن هذه (المقدسات الدينية التي تنكرت بثياب الحداثة). كان (الحزب الشيوعي العراقي) وما يحيط به من (جماعات ماركسية)، حتى أعوام الثمانينات من القرن الماضي أكبر أحزاب العراق بل حتى الشرق الاوسط ومسيطر على 70% من المثقفين والنخب العراقية. وكانت غالبية أعضائه وأنصاره من الشيعة، ثم أقل بكثير بين الاكراد، أما مناطق السنّة فكانت بغالبيتها تناصر البعث والعروبيين. لهذا انتشرت حينها عبارة طريفة:(شين اس ثلاثة) أي: (شيعي، شيوعي، شرگاوي: شرق العراق، أي أهل الجنوب)!(2)

إذن الحزب الشيوعي، دون قصد، قد ورث من مجتمعه الغالب الكثير من (المقدسات الشيعية) ولكنه ألبسها (ثيابًا شيوعية) أنيقة مع مكياج فلسفي ماركسي ورطانة روسية وأوروبية. هاكم بعض الأمثلة:

ـ مثلما الشيعة لهم (أئمة، جميعهم شهداء!) كذلك أصبح للشيوعية (شهداؤها الأبرار) وعلى رأسهم (مؤسس الطائفة الشهيد الرفيق فهد: وهو مسيحي عراقي). وكان شعارنا المقدس (الشيوعية أعلى من أعواد المشانق)!

ـ مثلما الشيعة يقدِّسون(السيد العلوي) فإنَّ جماعتنا قد اختاروا تقديس(العامل البرولتاري)، وكأننا بصورة لا واعية نقول (هذا عامل يشورـ أي يعاقب) ونكاد (نبوس إيده)، واذا كان (عامل صناعي) فإنه أشبه بـ(السيد الموسوي الأصلي)!

ـ مثل أي (دين) في التاريخ، لا بد أن يكون هناك (دين) ينافسه ويعاديه. أما أعداء الشيوعييين فهم (أتباع الله وجميع الاديان). حتى الآن اذا أقسمت بـ(الله) أمام أي شيوعي وماركسي، فإنه يكش ويهز ويفز وكأنك اقسمت بأوثان (اللات وعزة وهُبل) أمام مسلم!

ـ بما أنَّ (شيعة العراق) يفضلون عمومًا أن يكون (مرجعهم الأعلى) من خارج مجتمعهم، فإن الشيوعيين (الشيعة) كذلك قد اختاروا دائمًا مراجعهم من (أكراد العراق)، وفي تلك الاعوام كان (آية الله أبو سعود: كاكا عزيز محمد) هو مرجعنا الأعلى، وكنا مبهورين خصوصًا بابتسامته السينمائية وشعره المصبوغ بالحنة. وبلغ تقديسنا له إلى حد أننا ارتضينا بـ(فتواه القدسية) بتسليم حزبنا كله وبتاريخه وجماهيره الساحقة ووو إلى (مرجعه الأعلى منه)، أي (روح الله كاكا مسعود البرزاني) الذي لا يزال حتى الآن هو (مرجع الحزب المقدس) وينوب عنه في بغداد (آية الله كاكا فخري كريم زنكنة). ولهذا فإنَّ جميع الشيوعيين والماركسيين حتى الآن مهما تناقروا وتكافشوا بينهم، يتفقون على تقديس (الفتوى الدولارية) التي أطلقتها (مراجعهم البرزانية والطلبانية العليا) بقدسية (حق تقرير المصير والانفصال الكردي عن العراق)!

ـ طبعًا كان للشيوعيين أيضًا (طائفة سنية) يخاصمونها ويرمون عليها كل مشاكل الكون، ألا وهي(طائفة البعث الأموي) المنحرفة عن (الدين القويم). وقد حلّ (صدام حسين) محل (معاوية بن أبي سفيان)، أمَّا (عدي صدام) فكان هو (يزيد بن معاوية)! (والطريف أنَّ الأحزاب الشيعية اقتبست هذا في ما بعد من الشيوعية ولا زالت حتى الآن تعتبر ـ البعث ـ أمويًا!).

ـ مثلما الشيعة، رغم كل العتبات الشيعية المقدسة التي تملأ العراق، فإنهم يفضلون زيارة (الإمام الرضا) في إيران، ويطلقون على من يزوره لقب (زاير)! كذلك (طائفة الشيوعية) يقدسون (زيارة موسكو). والذي يرجع منها بعد (الزيارة)، سبحان الله، تظهر على محياه (علامات الإيمان الماركسي) فيبدو أشقرَ بعيون خضراء!

ـ مثلما الشيعة يقدسون (تربة كربلاء) ويصلُّون عليها، فإن الشيوعية يقدسون (خمرة روسيا: الفودكا) التي يعتبرونها (المياه الشيوعية المقدسة) التي تُطهّر الروح من (دنس الأديان)! ولهذا فإن الشيوعي الذي لا يشرب الكحول وخصوصًا الفودكا، فإنه يبقى مشكوكًا بـ(نقائه الإيماني) إلى حد تعرضه للتهمة التكفيرية الخطيرة جدًا: (ما زال ملوثًا ببقايا التخلف الديني)!

أخيرًا أختتم موضوعي بهذه النكتة العراقية الشيوعية جدًّا:
اتفق عراقيان على أن يتخليا عن الدين و(يعتنقا الإلحاد). لهذا قررا منذ تلك اللحظة أن يتجنبا تمامًا لفظ اسم (الله). بعد ايام التقيا، وأثناء الحديث قال أحدهما:
ـ والله العظيم...
فأوقفه الآخر محتجًا:
ـ يا أخي، أنت نسيت اتفاقنا بأن نترك هذا الاسم إلى الأبد!
ـ اووووو...ـه... أستغفر الله، نسيت!
ـــــــــ
المصادر:
1ـ عن المقدس في العصر الحديث، ـ دراسة جيدة بالعربية، عن كتاب: المقدس والمدنس/ ميرسيا الياد
Michel Carrier, Penser le sacré. Les sciences humaines et l invention du sacréـ
LES ECHOS DE SAINT-MAURICE / Le "saint" et le "sacré"/ Philibert SECRETANـ
-Nicolas Coutant /Modernité sacrée
2ـ عن غلبة العناصر الشيعية في الحزب الشيوعي، تطرق لهذا بالتفصيل الباحث الفلسطيني الأمريكي الكبير (حنا بطاطو) في كتابه البحثي الشهير: (العراق ـ الكتاب الثاني ـ الحزب الشيوعي).

ومن الأمور الطريفة التي يذكرها عن التأثير (الإسلامي في الحزب الشيوعي) أنَّ قيادته العليا في أعوام الخمسينات كانت تتكون من ثلاث شخصيات: الشيعي سلام عادل، والسني عامر عبد الله، والكردي جمال الحيدري. وهؤلاء الثلاثة ينتمون إلى عوائل (سادة شرفاء)!