متلازمة السياسى والدينى فى شرقنا الأوسط المعاصر
|
لماذا لم تطرق الحداثة والديمقراطية بل والحرية والسيادة بابنا حتى الآن؟
لماذا ابتلينا منذ عقود بالإرهاب، ليس فقط الإرهاب الدينى بل وإرهاب الدولة؟ هل
السبب هو الجهل... الفقر... الدين... السياسة... أم كل هذه العوامل مجتمعة...
هذه أطروحات يطرحها الباحث خليل أحمد خليل فى كتابه الرائع (سوسيولوجيا الجمهور
السياسي الديني فى الشرق الأوسط المعاصر). يكشف من خلاله الواقع المرير الذي يعانيه
الجمهور العربي المستبعد دائمًا عن مجال إنتاج سلطته الجمهورية. فمنذ اجتماع
السقيفة وحتى يومنا هذا وهذا الجمهور مأخوذ عنوة بقوة رجال الدين والسياسة في
عالمنا العربي. هذا الكتاب يغوص عميقًا فى عقلية الجمهور ويوضح ضرورة تحريره
أوَّلًا بعدما أغرق فى دمه في بلدان عربية وأسلامية... ولكن هذا التحرركيف يكون؟
وما آلياته؟
هنا يوضح الكاتب أنَّ العلمانية وحدها هي الكفيلة بهذا الدور. فالدولة العالمة هى
نتاج مجتمع علني أو متعلم والعلمانية لا يمكنها أن تكون إلاَّ علمانية علمية مستقلة
عن الإيديولوجية الدينية والسياسة، تلك الأيديولوجية التي جرى تسويدها فى الشرق
الأوسط المعاصر من باكستان حتى موريتانيا، كما يرى الباحث... مشيرًا إلى أنَّ
الجمهور العربي مطبوع فى ذهنه صورتين مثاليتين لمقدسين مفترضين هما المقدس السياسي
والديني، ويتصرف كأنه شيء عادي فى مقابل شيء استثنائي خارق، لذلك يظل طوال الوقت فى
حالة خوف منهما معًا، بل ويتم تطبيعة على تقديسهما معًا بدلًا من معرفتهما فى
اطارهما السوسيولوجي أي التاريخي والسياسي، لذلك يصبح شعب خائف من الحاكم ومن (العامة).
فالجمهور الأمِّي أبجديًا وثقافيًا من السهل إخضاعه سواء للخطاب الديني أو السياسي
بكل تبسيطاته وتسطيحاته، ويكون في الوقت نفسه غير قادر على استيعاب الخطاب العلمي
الحديث الذي لا يشكِّل سوى 5% من المجتمعات العربية كما يشير الباحث.
ولكي يبقى هذا الجمهور ملتزمًا فى (خانة السكون) التى أسكنها إياه طرفي السلطة
(السياسي والديني)، وقد جرى اتفاق ضمني بينهما على ضرورة إبعاده عن معركة العلم
الحديث موهَمًا أنَّ ما يقدم له من معرفة هو العلم كله وفيه تكمن مصلحتة؛ لذلك يظن
الجمهور الغارق فى إيدلوجيته أنَّ ما يقدم له هو العلم الأرفع الذي ينقذه من
الضلال، وهنا يعاني الجمهور العربي من الإرهاب المزدوج المتمثل في إرهاب سلطة عامه
وسلطة خفية أصولية يمينية. لذلك أصبح جمهور ملتبس منفصم يوجد بداخله جرثومة العنف
والخيال مع استبعاد المعرفة النقدية ومن ثمَّ العلم وتقنياته. فالعالم العربي يفتقر
إلى أنظمة دامجة تدمج الفرد فى بينتة الجماعية وتدمج القوى الاجتماعية فى نظام عام.
في هذا الواقع المرير تتشكل الفوضى؛ فهي المصدر الأساس لجنون القوة الذى تعانيه
الجماهير العربية الواقعة بين إرهاب الفكرة الدينية المطلقة وإرهاب الفكرة السياسية
المطلقة. ولذلك أيضًا يعتقد الجمهور أنَّ مشاكله قدرية بعد ما غابت عنه أسبابها
السياسية، فيلجأ إلى إيجاد حلول لها في الناحية الدينية، وهكذا يدور في حلقات
مفرغة.
ويشير الباحث إلى أنَّ الفرد في ظل هذا المناخ لا يتحول إلى شخص ثم إلى شخصية
مستقلة مميزة ومبدعة، بل يتحول إلى مجرد نسمة أو رقم من أرقام الرعية، تقوم فوقه
سلطتا السياسي والديني، ومعنى الكلام هنا أنه مواطن وسط جمهور؛ وفي هذه الحال، كيف
يكون مواطن سياسي وهو مقموع بسياسة دولته، وهو بسبب ذلك مواطن وطن أخر يجده فى
المنفى أو في الملكوت!!... في غياب مفاهيم الأوطان والدول، هل يخرج مواطنون من هذا
الجمهور المستلب؟
تساؤل يطرحه الكاتب مؤكدًا أننا لن نجد مواطنيين وسط هذا الجمهور إلاَّ بشكل رومنسي
يعني انتماء المواطن إلى وطنه كتراث كماضٍ أو كحنين إلى الأصل، أما الانتماء إلى
هوية وطنية فشكل لفظي... فما معنى وطن لا يحمي مواطنيه... وما معنى حكومة وطنية
تفترس مواطنيها وتستقوي بالخارج لتجديد هيمنتها. وهل مثل هؤلاء مواطنون حقًا؟ ولو
كانوا كذلك كما في القوانيين والدساتير لماذا تفعل بهم حكوماتهم ذلك؟
يرى الباحث أنَّ الديانات فى العالم العربى تقدِّم نفسها على أنَّها رسالات توحيدية
مسالمة تدعو إلى الإلفة والمحبة لا غير، بينما تجعلنا الأبحاث العلمية السوسيولوجية
غير الإيدلوجية نكتشف وجهًا آخر لهذه الديانات، ألا وهو الحرب كتعبير عن جنون القوة
والتعصب والعنف المرتبط بالإكراه الاعتقادي.
فى مثل هذا الجو من التعصب السياسي والديني، يُحاول المثقفون العضويون التصالح مع
كتلتهم الاجتماعية التاريخية من خلال تقديم عقلنة للسياسة والدين داخل جمهور خاص،
لكنَّ نجاحهم مرتبط بتحول المجتمع العربي إلى مجتمع شبه علمي يكون المرجع للعلم. لا
بدَّ من تمدين الجمهور نفسه فكريًا. وبما أنَّ المجتمع العربي مسلم بالاكثرية، فلا
بدَّ من استرجاع تاريخي موضوعي للحروب الأهلية. هنالك في الإسلام صراعات سياسية
ودينية تملأ صفحات هذا التاريخ لا بدَّ أنْ تُقدَّم، كما حدثت فى مكة والكوفة
وغرناطة واسطنبول، كما تكررت في فلسيطن ولبنان... وحروب أصولية فى مصر والجزائر
والسعودية؛ وهنا ينبغى التفريق بين جمهور مسلم مؤمن وجمهور سياسي متعصب مذهبيًا
وجمهور إسلامي منتظم سياسيًا لفرض إرادته بالقوة .
يرى الكاتب أنَّ الجمهور العربي مجرد كما مهمل بالقوة لا بالفعل، لذلك فالفوضى هي
أشكال الاستلاب والنفاذ لهذا الجمهور لاستغلاله. يقتحم السياسي والديني فوضى هذا
الجمهور لاستغلاله ليدور الصراع أو التحالف بينهما على هذه الضحية السهلة، بل تتحول
سياسات الدولة إلى مناورات على الجمهور، وتقدم سياسات الأصوليين أيضًا نفسها على
أنَّها مناورات، مما يزيد المشهد كآبة، مستغلةً الفراغ السياسي وعدم وعي الجمهور
المستلب وشعوره بالظلم الاجتماعى، فتصف له الحاكم بأنَّه طاغية ظالم مستبد وتفتح له
أبواب الجنة الأصولية وتوهمة بالجهاد. في ظل ذلك، تتوارى صورة المناضل السياسي
الوطني اليساري الذي عرفه الجمهور قبل الموجة الأصولية التى سميت خطًأ صحوة أسلامية
على حد قول الكاتب.
ومن خلال هذا الطرح تتعاقب بل تنحصر السلطة بين السياسي ورجل الدين. أمَّا فى
الغرب، وكما يرى الكاتب، فبعد استبعاد رجل الدين ظهر التعاقب على السلطة بين
السياسي ورجل العلم وقدَّم المرجع الاجتماعي الديمقراطي إطارًا معرفيًا ومؤسسيًا
لهذا التعاقب. فبدون ثورة علمية فى عالمنا العربى لن يكون هناك جمهورية للعلماء ولا
جماهير. فالجمهورية الحديثة هي حكم الجمهور، تقوم باسمه وبقوته وتستمر باستمراره،
فهل سيتحقق ذلك يومًا ما؟