نظام البعث الفاشي أم نظام الإسلاموي الفاشي

 

 

 نعم وألف نعم، لقد دمّر الاحتلال الأمريكي بلدنا العراق، لكن هناك أمور شائكة، أعتقد يجب وعلينا التوقف عندها بشجاعة وبدون مبالغات وشعارات رنانة فارغة.

أحد أهم إفرازات الاحتلال و ما نتح عنه، أثبت أنَّ الجماعات التي كانت محسوبة على (المعارضة العراقية) بشكل عام، هي قوى تكالبت ولا تزال تتكالب على دولار العراق لا أكثر ولا أقل. ومن أجل الدولار، فعل وما زال يفعل هؤلاء كل شيء وأي شيء: فساد لا محدود، لصوصية لا محدودة، عمالة علنية وبفخر لا يعلوه فخر، حمامات دم، قتل وخطف وتعذيب، تجهيل شعب بأكمله وتحطيم العلوم والثقافة والفن، تحطيم التعليم والإيغال بهذه العملية من دون ترددد، تحطيم الجهاز الصحي، وإحدى نتائجه نراها بعد بدء جائحة كورونا، حيث يقف الجهاز الطبي عاجزًا، فاقدًا أهم متطلبات القيام بما يلزم لحجر المصابين ومعالجتهم والحفاظ على الكادر الطبي. لقد دمّر هؤلاء الإمكانيات العلمية والفنية وسحقوها مما اضطر الأغلبية منهم للهجرة وهؤلاء يبدعون في بلدان الغربة التي احتضنتهم. وأوَّلاً وقبل كل شيء، خلق هؤلاء لأنفسهم جهازًا قضائيًا أفسد منهم، مهمته الحفاظ على الفساد والفاسدين، وبذلك ضمنوا لأنفسهم الأمان من أية محاسبة قانونية.

هذا غيث من فيض للوضع المزري والمأسوي الذي وصل إليه العراق.

سيأتيني أحدهم ويعيد ما تم قوله عشرات المرَّات: كان يتوحب أنْ يكون التغيير في أيدي الشعب العراقي ذاته وليس بالاعتماد على قوى خارجية غاشمة. نعم، تحليل وطني دقيق جدًا ولكنه يبقى تحليلاً نظريًا يتقاطع مع الواقع الذي كان يعيشه العراق في عهد البعث، أو بالأحرى عهد صدام حسين. سؤالي، وأبحث عن جواب عملي بعيداً عن التنظير والفلسفة الفارغة، هل كان في العراق قوى تستطيع أنْ تقوم بالتغيير من دون دعم خارجي، وإذا كان الجواب نعم، فمن هي تلك القوى؟؟

القوة الأكثر حظوظًا هي انقلاب عسكري، وهو أمر جرت محاولات عديدة من هذه الشاكلة وفشلت بسبب الأجهزة المخابراتية المتشابكة التي بناها صدام حسين وهو الأمر المعروف، اذ داخل كل جهاز أذرع طويلة لجهاز آخر وهذا الآخر بداخله أذرع لجهاز ثالث وهكذا دواليك، بالإضافة إلى أنَّ صدام حسين يتخذ خطوة واحدة لا غيرها لو اشتم رائحة تحرك، لا أقول خطوة بل رائحة (أتتذكرون عندما كان يقول إنَّه يرى ما وراء النظارات الشمسية للأشخاص ويعرف كيف يفكرون؟؟). لم يكن يبالغ ابدًا. لقد بنى صدام حصنًا أمنيًا خصص له أموال العراق التي يسرقها الآن لصوص العهد الجديد. نعم، حجم كبير من الأموال كان يصرفها على أجهزته تلك. أقول إنَّ صدام كان يتخذ خطوة واحدة بعد ذلك الشم، الإبادة الكاملة للعوائل حتى الصلة الرابعة أو أكثر، عدا عن أصدقائهم، بل وجيرانهم، وكل مَنْ التقى بهم.
التعويل على الانقلاب العسكري كان شبه مستحيل.

هل كنّا نعول على القوى (الوطنية!!) في التغيير؟ ترى أية قوى وطنية تلك الموجودة على الساحة العراقية؟ لا شيء على الاطلاق، هكذا أقولها وبدون تردد. إذا فكَّرنا بالحزب الشيوعي، وهو الحزب الوحيد الأصيل في العراق، فإنَّه كان ضعيفًا إلى أبعد درجات الضعف في الخارج بعد الضربات الهمجية التي تعرض لها اعضاؤه من قبل البعث منذ عام 1978 وخروج عدد كبير جدًا من الشيوعيين إلى خارج العراق والتحاق قسم كبير منهم في حركة الأنصار الشيوعية المسلحة في كوردستان العراق، ولكن علينا أن نعرف وبدقة وبدون تردد، أنَّ حركة الأنصار لم تكن جاهزة، لا بعددها ولا بإمكانياتها لأن تقوم بفعل كبير على وزن تغيير النظام في بغداد، حتى لو استمر نضالها لعشرات السنوات الأُخرى، عدا وضع قيادة الحزب الذي لست حاليًّا بمحل تقييم عملها.

الموضوع الذي يجب ألاَّ نغفله ابدًا، بل هو من أساسيات الواقع آنذاك، القوى الإسلامية الشيعية والأحزاب الكوردية التي بذلت أقصى ضغوطاتها وجهودها لإقناع أمريكا وحلفائها على القيام بعمل عسكري لإسقاط صدام حسين. لم ولن اكون أنا مدافعًا عن أمريكا، ولكن يجب كتابة الحقيقة. تلك القوى كان لها دورها الكبير لإقناع أمريكا بالحرب، ورتبت من أجل ذلك كمًّا هائلًا من الوثائق التي تدين نظام صدام حسين وقدَّمتها لها.

نعم بالتأكيد إنَّ أمريكا تعرف أنَّ الكثير من تلك الوثائق تفتقد المصداقية، وتعرف جيدًا أنَّ العراق لم يعد يمتلك أسلحة الدمار الشامل والتي تم تدميرها تحت إشرافها، ولكنها استخدمتها من أجل اغراضها العدوانية، فهل كان للشعب العراقي إمكانية إسكات تلك القوى وايقافها عن نشاطاتها؟؟

في تقديري، استنادًا إلى الواقع الذي اشرت إليه أعلاه، وبالابتعاد الكلي عن الهتافات والصراخ الذي تعودت عليه شعوبنا، إنَّ نظام صدام حسين الذي ساهم الشعب العراقي ذاته وقواه الوطنية وعلى رأسهم الحزب الشيوعي العراقي والاحزاب الكوردستانية، بدعمه وجعله بعبعًا حقيقيًا على رؤوسهم، لم يكن بالإمكان إسقاطه إلاّ بتدخل قوة خارجية تفوق قوتها تقنيتها على إمكانية النظام.

ما قامت به أمريكا بعد حربها وإعلان احتلالها للعراق، وبشكل خاص حلّ مؤسسات الدولة العسكرية بكافة صنوفها، الجيش والشرطة، هو ما جلب الكارثة الأكبر على العراق، ومِنْ ثمَّ خطوة مجلس الحكم المخزية التي كانت النواة الأولى لزرع المحاصصة الدينية والطائفية والقومية، ثم الإجراءات الأُخرى التي كان يفترض إقامة حكومة عراقية خالصة هي من تقوم بكافة الإجراءات للبدء ببناء عراق جديد.

سؤالي لرافضي أي شيء وكل شيء ومجرد رفع الشعارات، ترى كيف كان سيكون العراق لو استمر حكم صدام حسين إلى يومنا هذا؟؟ هل كان سيكون أفضل ولو قيد أنملة عما يعيشه عراق اليوم؟ أشكُّ في ذلك. كان العراق يعيش وسط حمامات دم ورعب، واليوم كذلك، ولكن لي أمل أنَّ الظروف الآن أفضل لمن يريد التغيير بالمقارنة مع زمن جرذ الحفرة، قائد الهزيمة.

أرحِّبُ بأي انتقاد، بل وأعتقد أن العديد سيعتبرني أُبرِّر الاحتلال وربما أُباركه، لكنني أمتلك الجرأة لأضع النقاط على الحروف.