اليسار خيار لا جماعة

 

 

اليسار خيار لا جماعة. هو خيار يعتمد أساسًا على العاطفة، العاطفة الإنسانية. هو ضد الاستغلال بجميع أشكاله، ضدّ استغلال طبقة لطبقة وضدّ استغلال إثنية لإثنية أو قومية لقومية، وضد استغلال طائفة لطائفة. يؤسس اليسار الحرية على العاطفة التي تراعي شروط قيام الدولة والانفصال عنها.

شرط قيام الدولة أنْ تصبح دولة تعاقدية تعاونية فيما إذا كانت قد ابتدأت وتأسست على الغلبة؛ ومعظم الدول تنشأ على الغلبة من دون رضى عامة سكانها؛ وعلى كل حال يناضل اليساريون من أجل صيرورة الدولة إلى الأخذ بقيم الحداثة والديموقراطية والتعاون الإنساني، وما يرتب على ذلك على كاهل المناضلين من عمل دائم دائب من أجل تغيير الدولة لتسير في هذا الاتجاه. نهج اليسار هو التغيير، تغيير الدولة لا تغيير المجتمع، بل تغيير الدولة وتمثيل المجتمع. تمثيل المجتمع يعني احترام المجتمع أفرادًا وجماعات كما هم، في محاولة لتلبية حاجاتهم ووجدانهم وتطلعاتهم كما هم لا كما يراد لهم أن يكونوا. ليس اليسار هندسة اجتماعية بل هندسة سياسية. موضوع اليسار هو تغيير الدولة، التي لا تستحق الاحترام موضوعها هو تمثيل المجتمع الذي يستحق، بعجره وبجره، بتاريخه وتراثه، بذاكرته وحاضره، كل أنواع الرضوخ والخضوع والخشوع. الإيمان بالإنسان يقتضي قبل كل شيء الثقة بالإنسان، بقدرته التلقائية على فهم الأفكار الكبرى ببساطة، الأفكار الكبرى إذا قدِّمت وشُرحت ببساطة. البساطة ميزة والتعقيد عبء في العلاقة مع الناس. إذا ابتدأ اليسار بأفكار معقدة، فإنّه يترتب عليه أنْ يسعى لتبسيط الأفكار وفكفكة تعقيداتها وكشف المحجوب من معانيها. تبسيط الأفكار يتطلب فهمها، وفهمها يستدعي تبسيطها، وتبسيطها يؤدّي إلى انتشارها.

كما يعتمد اليسار أيضًا على العقل، يُخضع العقل للعاطفة، وإلا أصبح العقل آلة تدمير وتدليس وانتهازية. يلتزم اليسار بالموقف ضد الاستغلال بجميع أشكاله. لا يستحق كل من عمل إلَّا نتيجة عمله، إنتاج عمله. العمل هو ما يقرر القيمة الاقتصادية. القيمة الاقتصادية هي ما يقرر أسعار السلع.

لا سلع إلَّا ما ينتجه الإنسان. ولا ينتج الإنسان إلَّا ما له الحق الكامل في ملكيته. أما تحويل وسائل العمل من أراض وآلات، وتحويل نتائج عمل الإنسان من مال إلى وسائل لامتصاص الفوائض الاقتصادية، وتحويلها إلى قيم بحد ذاتها، واستخدامها من أجل الاكتناز والتضخم ورفع أسعار الموجودات المادية من أراض ومبانٍ وسلع منتجة، فإن ذلك وسيلة لاقتصاع فوائض القيمة، فوائض ما أنتجه الإنسان من دون مقابل من قوة عمل مادية وذهنية. مهمة العقل بالدرجة الأولى، في الاقتصاد، هي قياس محتوى قيمة العمل وتقدير مردود العمل المادي والذهني على أساس الجهد المبذول في إنتاج جميع السلع الفكرية والمادية، وفي إعادة توزيع جميع الموجودات المادية والفكرية.

ومهمة العقل إلى جانب ذلك هي العمل لإيجاد الدولة التعاقدية التعاونية التي تقوم على مبدأ إعادة التوزيع في مواجهة مبدأ الاحتكار الذي يؤدي تلقائيًا إلى اكتناز القلة من الناس لأكثرية الثروات، وإبقاء أكثرية الناس في فقر مدقع بمداخيل وموارد لا تكاد تكفي إلا ما يسد رمق العيش. محو الفقر إرادة سياسية في مجتمع تعاقدي. لا يستوي أمر المجتمع التعاقدي من دون التعاون الإنساني.

الأساس الثالث كي يكون اليسار خيارًا لا جماعة، هو المعرفة. على اليساري، خاصة المثقف أنْ يعرف، أنْ يعرف مجتمعه، كما أنْ يعرف المجتمع العالمي؛ أنْ يعرف تاريخ مجتمعه كما أنْ يعرف تاريخ المجتمعات الأخرى. عليه أنْ يعرف تاريخ العالم وأديان العالم وأنْ يبني علاقات معها، وأنْ تكون العلاقات مؤسسة على الفهم والتفهم، على التسامح ونسبية المعرفة العلمية الأخلاقية. تعني النسبية أنْ لا حقيقة تكمن في مكان ما وتنتظر من يكتشفها. بل الحقيقة هي جملة حقائق يكتشفها الإنسان، سواء كانت حقائق علمية مادية، أو حقائق اجتماعية ومعنوية، وأن يضعها في خدمة الإنسان. على اليسار أنْ يعرف وأنْ يسخّر معرفته في سبيل الإنسان كيفما كان وأينما عاش. على اليسار أنْ يكرس نفسه في سبيل المجتمع والإنسان. ليس مضطهدًا بين البشر ومستغلاً ومدانًا ومهانًا قدر الإنسان العربي، ولا أنسب من أنْ تكون القضية العربية، قضية الوحدة، وحدة الدول العربية؛ وتحرير فلسطين. ووحدة أرضها بما فيها من شعوب عربية وغير عربية بتوحيدها في بلد عربي واحد ينتمي إلى المنطقة العربية التي سعت ولا تزال تسعى من أجل الوحدة. والوحدة هي توحيد سياسي للدول لأنَّ الشعوب العربية المقيمة والوافدة هي شعوب موحدة تلقائية: مشاعرها واحدة وتطلعاتها واحدة وهي تلتزم بهذا وذاك خاصة إذا توافرت لها القيادة السياسية اليسارية العارفة.

يستحيل تحويل اليسار من خيار وموقف إلى فعل وعمل من دون المعرفة، من دون تسخير المعرفة في سبيل الإنسان، في سبيل تلبية حاجات الإنسان الضرورية بغض النظر عن كلفتها الاقتصادية.

سيكون هناك نقاش حول الحاجات الضرورية وغير الضرورية، حول الحاجات الضرورية للعيش الكريم. والحل يكون بأنْ تصير الحاجات الضرورية ملكًا لكل الناس بالتساوي، وأنْ تصير الحاجات غير الضرورية موزعة حسب أسس متفق عليها بعد أنْ يتم التمييز الدقيق بين الضروري وغير الضروري من الحاجات. أما التنظيم الذي يستند إليه اليسار فهو تنظيم مفتوح لمجتمع مفتوح. التنظيم مفتوح، تُعلن نقاشاته ومقرراته. تدور المناقشات أساسًا ليس فقط في داخل التنظيم اليساري، على أهميتها؛ لكنَّ الحوار الأهم هو بين اليسار والناس. النقاش بين اليسار والناس يُعلّم اليسار أفكارًا لا يتعلمها في الكتب، ويكسبه مشاعر إنسانية لا يتعلمها إلَّا بالانخراط مع الناس في أفكارهم ومآسيهم وأساليب عملهم. لدى الجمهور تراث شفهي أكثر غنى وثروة من كل تراث مكتوب. ميزة التراث الشفهي أنَّه غير منقح وخارج عن كل رقابة ويحوي كنوزًا من المعرفة والحكمة التي لا توجد في مكان آخر.

التنظيم المفتوح لمجتمع مفتوح يستدعي الانفتاح على كل الثقافات واعتبار كل الثقافات جزءًا من ثقافة عالمية واحدة هي ثقافتنا، شئنا أم أبينا. ينتج العالم الخارجي سلعًا مادية ومعنوية نستهلكها، فنحن جزء من العولمة شئنا أم أبينا. وما ننتجه من سلع مادية ومعنوية، نصدره إلى العالم كي يقبله؛ ولا يقبله إلَّا إذا كان متناسبًا مع الرؤى والقيم السائدة في العالم. كل انغلاق لمجتمع ما هو موت لهذا المجتمع. كل انفتاح على العالم وانخراط فيه يفتح أمام مجتمعنا إمكانيات أكبر وأسرع للتطوّر والنمو والازدهار. التنظيم المفتوح والمجتمع المفتوح هما فقط ما يُفسح مجال الحرية. الحرية تتحقق بتعدد الخيارات، وتعدد الخيارات هو النتيجة الحتمية للانفتاح الثقافي والمعرفي. لا انفتاح ثقافيًا من دون انفتاح اقتصادي والعكس أيضًا صحيح.

يكون اليسار حقيقيًا بأنْ لا يشكل جماعة. ترتكز الجماعة على الإيمان. الإيمان أعمى. هو أساس الانقياد والتبعية ، للداخل كما للخارج. ينعزل اليسار عندما يصبح قبيلة، يصير الفكر، أو بعض الأفكار، بديلاً عن الأصل البيولوجي. اليساري لا يؤمن بل هو يشكك ويبحث؛ هو دائم البحث عن أفكار وأساليب جديدة في سبيل التطور والارتقاء. ليس أكثر إفادة للسلطات القمعية من أنْ يشكل اليسار قبيلة منعزلة، فيعطى هؤلاء ما يريدون ما داموا محافظين على عزلتهم وما داموا هامشيين في المجتمع.

يناضل اليسار ضد النظام العالمي، نظام الاستغلال والقهر والحرب. يناضل اليسار العربي كي يجعل من قضية الأمة قضية إنسانية بالمعرفة، بالانفتاح، بالعقل، بالعاطفة. ليس لليسار أهداف محلية إلَّا ما كان عالميًا كونيًا في أهميته. الأولوية هي للأهداف العالمية الكونية. ألم نستنتج بعد، أنَّ قضيتنا هي قضية الانسان، قضية تحرر العالم. ليس النضال من أجل دين جديد لهداية الناس، في الداخل أو في الخارج، بل النضال هو الاتصال والتواصل مع الجمهور العربي والجمهور العالمي من أجل الفهم والتفاهم، من أجل مجتمع عالمي يضمن أنْ لا يفوق استهلاكه ما تتيحه موارد الأرض من مساحات للزراعة، ومن مواد منجمية لا تكفي للاستهلاك المفرط الذي سيؤدي إلى انهيار الحضارة البشرية انهيارًا محتومًا سيكون هو المصير المحتوم إذا استخدم الاستهلاك في الامبراطورية وفي الغرب عمومًا، مثلًا أعلى لأتباعه لدى بقية البشرية.

ليس المثل الاعلى أنْ نصير مثلهم، بل أنْ تصير الانسانية كيانًا جديدًا تعاونيًا يضمن بقاءها؛ عندها تزول التهديدات التي تعيق البشرية.