عالم جديد
هل سيكون عالم ليس لنا

 

 

كما كان القرن الماضي، حيث رسمت معالمه في بداياته وخصوصًا العقدين الاولين والتي نضجت فيهما كل ظروف الحبكة الاستعمارية لإدارة هذا العالم، خصوصًا ما خص منطقتنا العربية على وجه التحديد، ورغم تنازع الكبار في الحرب العالمية الثانية التي كان من الممكن أنْ تكون في صالح مَنْ أراد وعزم على تغيير الحبكة التي كانت قد باتت واضحة الملامح وتأكد بأن منطقتنا ستكون خارج الزمن طوال القرن بما في ذلك استثناءنا من ما بات هو عنوان القرن الأبرز اذا ما صح التعبير وهو تقرير المصير، وقد انتهى القرن ولم نعرف نحن كعرب وخصوصًا كفلسطينين معنى تقرير المصير ولم نذق طعمه بعد.

ولعلَّ مَنْ استطاع أنْ ينتزع له مكان من الشعوب في ذلك القرن هي الأمم التي تملكت الحد الادنى من الإمكانيات الثقافية والاجتماعية وهذا ما مثلته نخبها السياسية والقيادية، بما فيها الحد الادني من الشعور بالثقة بالنفس وبالحرية وبالقدرة على صناعة التغيير أو، وللايضاح أكثر، القدرة على استيعاب فكرة أننا نستطيع أنْ نتقدم دون الآخر، أي قدرتها على تجاوز عقدة النقص والقفز عن الحواجز النفسية والسلوكية التي ترافق الوقوع في شرك نظرية المؤامرة التي لا ننفي وجودها بل نؤكد على فداحة الضرر الواقع على طريقة التفكير والشلل التام الذي تحدثه في الوعي بضرورة التقدم رغم الصعاب وانهيار الإرادة الإبداعية لدى الاشخاص والمجتمعات الواقعة تحت تأثيرها، والكارثة تترىسخ اذا ما بات الوعي الجمعي فريسة لهذه العقدة، وتتعمق الأزمة اذا ما كانت القيادة لأمة ما أوَّل مَنْ يسقط في وحل نظرية المؤامرة، وبهذا أعتقد أنَّ القيادة إنْ لم تكن استثنائية وإبداعية فهذا ينفي صفة القيادة حتمًا، وبتجاوز هذه العقدة استطاعت الامم أنْ تجد لها مكانًا في هذا العالم وأعتقد أنَّ هذا من أهم ما ساعدها على الاستمرار وصناعة مستقبلها واستثمار كل ما أتيح لها من ظروف، وإنْ كانت بنسب مختلفة تبعًا لاختلاف الظروف، ومِنْ هذه الأمم الصين وكذلك اليابان الدولة الوحيدة في هذا العالم التي تعرضت لاستهداف بأسلحة الدمار الشامل، إضافة إلى كوريا وإندونيسيا والهند والبرازيل وفيتنام وغيرها الكثير من الأمم التي تمكنت من الاستمرار وصناعة مستقبلها واستثمار كل ما أتيح لها من ظروف، وإنْ كانت بنسب مختلفة تبعًا لاختلاف الظروف.

أمَّا نحن، يبدو جليًّا أننا لم نكن نمتلك الحد الأدنى المطلوب ولم نستطع أن نستثمر كثير من الظروف المتاحة، وكنا دومًا وما زلنا أسرى لأزمة العقل العربي والذي باتت تطاردنا ككابوس ندفع ثمنه من دماء أجيالنا، وإنَّه لمحزن ومؤلم أنْ نقول، فبرغم أنانية وعنصرية وفاشية الاستشراق كمنهج والمستشرقين كأشخاص، إلَّا أننا نستمر بأْن نؤكد صحة ما طرحوه في كل لحظة وفعل وممارسة خصوصًا في ما يتعلق بشؤون الحكم والسياسة، فالوضع في المنطقة أوضح من كل الكلام وإنْ كنا نكفرهم ونلعنهم ليلًا نهاًرا والأدهى والأمر ونتيجة لما أسلفت بأنه مطلوب الحد الأدنى الثقافي والاجتماعي، فنحن ما زلنا نفتقد لهذا الحد الأدنى وما زلنا أسرى للأيديولوجيا، وهنا مشكلتنا ومعضلتنا الأساسية، حتى ما عُرِفَ بالاستشراق، نحن نصر على أنَّه يستهدف الدين، وأنَّ الاستعمار دومًا، أيًّا كان، يستهدف الدين. وبهذا غيبنا الواقع، وهو أننا نحن كإنسان وكمقدرات هي ما يدور العالم حولها وهي ما رسمت معالم القرن الماضي وفقها، وبذلك نغيِّب أنفسنا عن عالم لا يدخر جهدًا لاعلاء قيمة الإنسان كإنسان وربما هذا مثل السمة الأساسية لعالم ما بعد عصر النهضة، بغض النظر عن كل ما اقترفت أيدي الحكومات من جرائم في هذا العالم.

الآن يبدو واضحًا أننا في مرحلة تشكيل معالم القرن الحالي. وما زالت كل المؤشرات تؤكد أننا سنكون خارج هذه المعادلة التي ترتكز بالأساس على الحد الأدنى الثقافي والاجتماعي للشعوب. ففي الوقت الذي تتشكل فيه معالم الوعي الشعبي العام في فترة الحجر المنزلي العالمي، حيث أنه أعطى الناس مساحة واسعة للتفكير والتأمل وأكثر من ذلك تجربة شخصية لكل فرد في هذا العالم بكل ما تحمله من ألم وقهر للكثير هو قاتل، ولكنْ لمن سيحدد معالم المستقبل هو في غاية الأهمية. وهنا لا أريد الغوص في شكل العالم الجديد الذي بات الجميع يقر بأننا في الطريق إليه والذي سيكون لمن سيحالفه الحظ بأن يشهد العالم الجديد أنْ يلمس كل جديد فيه، خصوصًا وأنَّ الجميع يؤكد أنَّ أزمة الوباء ستمتد طويلًا وربما تحصد أرواح العديد.

وهنا مثلَا أوَّد أنْ أقول إنَّ فكرة السجن كعقاب التي كانت خلال القرن الماضي تتطور بشكل سريع في اتجاه أنْ يكون السجن إصلاحًا وليس عقابًا، وصولًا إلى سجون خمس نجوم اذا ما توفرت الرقابة المطلوبة لضبط سلوك الحكومات والجماعات والأفراد في هذا العالم الذي تحدثنا عنه بأنه يسير إلى الأمام، وخصوصًا الأمم التي ترسخت لديها معاني الحرية والمواطنة والعدالة والحقوق المدنية والفصل بين السلطات، قد تمكنت من ضبط السلوكيات الشاذة داخل حدودها، بغض النظر عن كل ما هو عكس ذلك، فربما تكون هذه المرحلة التي نمر بها الآن مرحلة مهمة لخلق وعي شعبي عام بقساوة السجن كفكرة، ومدى إذلالها للإنسان، ومدى الألم المستمر الذي تسببه، فقد تكون إحدى معالم الوعي المقبل عالم بلا سجون. وهنا ما وددت أن أقوله: فهل سنبقى كفلسطينين أسرى في سجون الصهيونية وسنبقى ونستمر خارج التطور المقبل. وكما مرَّ قرن تقرير المصير من دون أنْ يكون لنا نصيب في تقرير مصيرنا، وكنا استثناءً إن صحَّ التعبير، إذ أننا الشعب الوحيد في هذا العالم الذي ما زال يخضع لآخر احتلال في التاريخ الحديث، فهل سيمر القرن الحالي أيضًا، والذي ربما يكون عالم خالٍ من السجون، وسنكون نحن استثناء. فنحن ما زال يحكمنا ( القيادة المستمرة في الفشل) متاجرون ومستثمرون وسراق و كذابون وأنانيون وأنتهازيون، ولدينا مشروع فشل بامتياز، سواء مشروع الثورة التي تحولت إلى سلطة تبيع الوهم لشعبها وتقبض أثمان ذلك من محتلها، أو المشروع الإسلامي الإخواني الجديد الذي قتل، أوَّل ما قتل، الإنسان الفلسطيني وغيَّب هويته وأنتج صراع في كل عقل فلسطيني تحت عنوان الهوية الوطنية أو الهوية الإسلامية، والذي يدلل بشكل أكثر وضوحًا على فقداننا الحد الادنى المطلوب من الوعي الجمعي الثقافي والاجتماعي. وتبدو الصورة أكثر وضوحًا اذا ما رأينا حالة الانقسام المدمرة واستمرارها مع كل ما فرضته من تشوهات في الوعي الجمعي لدى شعبنا كنتيجة لكل ما أسلفت تعلن وفاة قضيتنا ونهايتها رغم عدالتها الواضحة وضوح الشمس.

أمَّا الآن، فيبدو أنَّ الزمن يحاول أنْ يعطينا الفرصة، وقد تكون طول فترة وباء الكورونا فرصة لنا كشعب فلسطيني لأنْ نتقدم خطوة إلى الأمام باتجاه وعي شعبي بالحد الأدنى يوصلنا إلى وعي وإدراك اللحظة التاريخية والإيمان بأننا نستطيع، وأنَّ كل ما لدينا من مكونات، خصوصًا السياسية والحزبية، ستجعلنا نستمر في هذا القرن الذي ترسم معالمه استثناء كما كان القرن الماضي، وهذا ما يجب أنْ يولِّد وعيًا شعبيًا عامًا باتجاه الخطوة الاولى، وهي التخلص من هذا العبأ الجاثم على صدورنا وسيمنعنا من دون أدنى شك من أنْ نكون ممن يمتلك الحد الأدنى الذي يؤهلنا لاستثمار الظروف التي قد يجلبها ما بات يعرف بعالم جديد أو عالم ما بعد الكورونا. وعليه، وبما أنهم يتحدثون عن أنَّ الوضع مع الجائحة سيستمر لسنين، فإنْ لم نحطم هذا العبأ ونتخلص منه ونعيد الاعتبار للشعب الفلسطيني أو على الأقل إعادة الشعب الفلسطيني كحدث في صدارة أحداث هذا العالم بعد التخلص من كل الهياكل الموجودة التي أثبتت أنها فشلت وأنها تمنع تطورنا، فسنكون فعلًا خارج العالم وسنستمر استثناء.

فمن وجهة نظري وبوضوح في هذه الفترة الحرجة من عمرنا وتاريخ شعبنا، والتي ستتمثل في عمر جائحة الكورونا، اذا ما تمكن الشعب الفلسطيني من تصدر المشهد وإخراج وضع جديد، أرى أنه يجب أنْ يتمثل بإعادة الوضع إلى ما كنا عليه قبل السلطة كنتيجة لاتفاقات أوسلو المدمرة بعنوان فلسطين كل فلسطين تحت الاحتلال الصهيوني، سيمر القرن الحالي وسنكون استثناء. وإذا ما كان أحد العناوين لهذا العالم هو عالم بلا سجون ولا سجناء، سنستمر نحن سجناء يقهرنا الاحتلال بعنصريته وفاشيته المعهودة. فمَنْ كان استثناء في قرن تقرير المصير سيكون استثناء في عالم بلا سجناء وسنستمر في عالم ليس لنا رغم أنَّ ما لدينا من أمثال غسان كنفاني صاحب عالم ليس لنا (رواية لغسان كنفاني) كثر، لكنَّ الأيديولوجيا جعلت الكثير منا يكفر غسان نفسه كما المستشرقين على اعتبار أنَّ الدين هو المستهدف، فبات الانسان صفرًا كبيرًا يداس بالأقدام ليلًا نهارًا، ولم يسلم في النهاية الدين الذي نستمر في التهويش والصراخ بأننا ندافع عنه ودونه الأرواح.